تقرير حقوقي للفيدرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان
بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام - 10 تشرين الأول / أكتوبر
للتعبئة من أجل توحيد جميع الجهود لإيقاف القتل العشوائي والاعدامات خارج القانون
ومن اجل إيقاف كل اشكال العنف في سورية
تعد عقوبة الإعدام عقوبة في منتهى القسوة واللاإنسانية والمهينة والحاطة بالكرامة البشرية , وهي عقوبة انتقامية وغير عادلة ولا يمكن الرجوع عنها حال تنفيذها ويمكن أن تنزل بالأبرياء أو لأسباب سياسية , ولم يظهر تاريخ التطور البشري بأنها شكلت رادعا أو زجرا ضد الجرائم , وبالتالي لم تظهر بأنها أكثر فعالية من العقوبات الأخرى , ولا شك بأن نضال الكثير من الناس ضد عقوبة الإعدام والتي تعتبر قتلا حكوميا , ينمي الشعور لديهم ويقوي الإحساس ضد القتل والانغماس فيه،فإذا كانت الغاية من تطبيق العقوبة بشكل عام هي الحد من تكرار ممارسة الفعل الذي استحق هذه العقوبة، وتحقيق الرادع لعدم تكراره، إلا أنه من الواضح أن عقوبة الإعدام وبشكلها العام في تطبيقاتها المختلفة في الدول التي تقرها قوانينها لم تحقق هذه الغاية. أن عقوبة الإعدام لم تمثل أداة أو وسيلة رادعة لعدم تكرار الفعل الذي استوجب الحكم بعقوبة الإعدام. لقد بررت عقوبة الإعدام بشكل عام وعلى مر الزمن بالحد من تكرار ممارسة الفعل الذي استحق هذه العقوبة، وتحقيق الرادع لعدم تكراره، لكن عقوبة الإعدام وبشكلها العام في تطبيقاتها المختلفة في الدول التي تقرها قوانينها لم تفلح في تحقق هذه الغاية. كذلك فإن التوسع في تطبيق عقوبة الإعدام لم يخفف من موجات الإجرام التي بدأت تنحو باتجاه أكثر خطورة، نظرا للتقنيات الحديثة التي أيضا أتاحت الفرص لارتكاب جرائم منظمة عابرة للحدود كالاتجار في البشر والمخدرات واتساع رقعة الإرهاب. إنه لا يمكن تحديد حجم الظلم الذي يمكن أن ينجم عن إزهاق روح قد يتبين فيما بعد أن هذا الشخص الذي أعدم كان بريئا أو أنه لا يستحق هذا المستوى من العقوبة. لقد استعملت السلطات السياسية المستبدة عقوبة الإعدام كأداة قمع لإسكات معارضيها والتخلص جسديا من أفرادها الأكثر نشاطا وإزعاجا. وقد مثلت سياسة التصفية الجسدية عبر محاكمات ميدانية واستثنائية لدى العديد من حكومات بلدان العالم الثالث العسكرية، في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ذروة هذا الاستعمال، وأن ضحايا تلك السياسة أعدموا نتيجة محاكمات غير عادلة، من الممكن أن يعاد الاعتبار لهم، على أساس أنهم-أو بعضهم- أبرياء. ما يشير إلى أن الاستعمال المجحف لعقوبة الإعدام كأداة قمع سياسي سوف يستمر ما لم تتضافر جهود الجميع لوضع حد لهذا التهديد، والعمل على إلغاء هذه العقوبة اللاإنسانية نهائيا وكليا.
أولاً: الديباجة والمناسبة
تحيي الفيدرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان، إلى جانب الحركة الحقوقية العالمية، اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام في العاشر من تشرين الأول، والذي أطلقه التحالف العالمي عام 2003. ويأتي إحياء هذا اليوم هذا العام في لحظة مفصلية تمر بها سورية، تتطلب إعادة النظر الجذرية في المنظومة العقابية برمتها.
ثانياً: الأساس القانوني والحقوقي لمطلبنا
إن مطالبتنا بإلغاء عقوبة الإعدام تستند إلى أسس قانونية وطنية ودولية صلبة:
1- على المستوى الدولي: إن الحق في الحياة هو حق أصيل غير قابل للتصرف، كفلته المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه سورية عام 1969، والتي حصرت عقوبة الإعدام - إن وجدت - في أضيق الحدود واعتبرت إلغاءها هدفاً يجب السعي إليه، كما أكد ذلك البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد.
2- على المستوى الوطني: إن الإبقاء على عقوبة الإعدام في التشريع السوري يتعارض مع المبادئ الدستورية الجديدة التي يجب أن تقوم على احترام الكرامة الإنسانية. القانون السوري الحالي ينص على الإعدام في أكثر من 21 موضعاً، منها المواد (271، 272، 274، 298، 305، 308) من قانون العقوبات العام، والمواد (5، 6، 8) من قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012، وهو توسع تشريعي خطير حول الجريمة السياسية إلى جريمة عقوبتها الموت.
ثالثاً: لماذا يجب إلغاؤها في سورية اليوم؟
لقد استخدمت عقوبة الإعدام في سورية لعقود خارج إطار العدالة، عبر المحاكم الاستثنائية والميدانية والمحاكم العسكرية، التي افتقرت لأبسط ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي. وقد وثقت منظماتنا آلاف الحالات التي صدرت فيها أحكام إعدام بناء على اعترافات منتزعة تحت التعذيب.
ومن الناحية الواقعية والقانونية، ثبت بطلان حجة الردع، فلا توجد أي دراسة علمية موثوقة تثبت أن الدول التي تطبق الإعدام تنخفض فيها معدلات الجريمة. بل على العكس، إنها عقوبة لا رجعة فيها، تجعل الخطأ القضائي جريمة دولة لا يمكن إصلاحها.
إن إلغاء عقوبة الإعدام اليوم هو ليس مطلباً حقوقياً فقط، بل هو جزء جوهري من مسار العدالة الانتقالية، ورسالة واضحة بأن سورية الجديدة تنفصل عن إرث العقاب الانتقامي وتنتقل إلى عدالة تُصلح وتعيد التأهيل.
رابعاً: مطالبنا
وعليه، فإن الفيدرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان، تتوجه إلى الحكومة السورية والسلطة التشريعية والرأي العام السوري بما يلي:
إلى الحكومة السورية والجهات التشريعية:
1- إصدار مرسوم فوري يقضي بوقف تنفيذ جميع أحكام الإعدام الصادرة والنصوص القانونية الناظمة لها ، وتحويلها إلى عقوبات سالبة للحرية محددة المدة.
2- إصدار تعميم قضائي يقضي بوقف إصدار محاكم الجنايات والمحاكم العسكرية لأي حكم جديد بالإعدام.
3- النص بشكل صريح وواضح في الدستور السوري الجديد على: "الحق في الحياة مصان، ولا يجوز الحكم بعقوبة الإعدام أو تنفيذها".
4- المباشرة بإصلاح تشريعي شامل يلغي عقوبة الإعدام من قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب وكافة القوانين الخاصة.
5- التصديق على البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتصويت إيجاباً على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 77/222 الداعي لوقف العمل بعقوبة الإعدام.
إلى الرأي العام السوري ومنظمات المجتمع المدني:
ندعو إلى فتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول هذه العقوبة، بعيداً عن منطق الثأر والانتقام، وإلى إدراك أن العدالة الحقيقية لا تبنى على إزهاق الحياة، بل على إنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة ضمن محاكمات عادلة تحترم الكرامة الإنسانية للجميع.
إن حماية المجتمع لا تكون بالقتل، بل بسيادة القانون.
دمشق في 8 تشرين الأول / أكتوبر 2026
الهيئة الادارية للفيدرالية السورية لحقوق الانسان
