الدولية من اجل النساء المدافعات عن حقوق الإنسان الأطر الأساسية للحملة

 
         
   


مفهوم الحملة

 تعتبر الحملة الدولية من اجل النساء المدافعات عن حقوق الإنسان مبادرة دولية من شأنها الحثّ على الاعتراف بضرورة حماية حقوق هؤلاء النساء، خصوصا خلال نشاطهن حيث يسعين على أن يصل إلى كلّ إنسان كامل حقوقه الطبيعية. وتركز الحملة بنوع خاص على حماية حقوق المرأة التي تتعرض خلال مسيرة عملها إلى انتهاكات بسبب هويتّها الجنسية. إضافة إلى ذلك تتناول الحملة أوضاع النساء المدافعات عن حقوق المرأة و تعير اهتماما ملحوظا للانتهاكات التي يتعرّض لها المثليين والخنثويين و حاملو صفات الجنس الآخر من الناشطين وغيرهم من أفراد المجتمع. وتشكل كلاّ من هوية هؤلاء الناشطين و طبيعة حقوقهم التي من اجلها يناضلون العاملين الأساسيين اللذين يجعلاهم محور هذه الحملة.

ترمي هذه الحملة كذلك إلى دعم الدور الأساسي الذي يقوم به المدافعون عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم للنهوض بها و حمايتها لتصل إلى كل فرد. ولذلك تسعى الحملة إلى ترسيخ هذا المفهوم عبر احتواء ناشطين وجماعات لها صفات مميّزة في الدفاع عن حقوق الإنسان تجعلهم أكثر عرضة للخطر كهويتّهم الجنسية مثلا. ويعتبر شأن المدافعين عن حقوق الإنسان من ابرز المواضيع التي تثير القلق حاليا بحيث أن دور فعاليات المجتمع المدني في هذا المجال قد تقلّص في ظلّ الظروف الراهنة و حرب الولايات المتحّدة التي شنّتها مؤخرا ضدّ الإرهاب وفي ظلّ تفاقم النزعات الأصولية.

أتت هذه الحملة التي هي وليدة الائتلاف القائم بين منظّمات حقوق المرأة و منظّمات حقوق الإنسان لتجمع بين سلسلة واسعة من الخبرات وتاريخا عريقا في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. وإذ تسلّط هذه الحملة الضوء على القضايا الناشئة عن عدم معاقبة و محاسبة الدول ترمي أيضا إلى محاسبة الجهات غير الدول على الانتهاكات التي تتعرّض لها النساء المدافعات عن حقوق الإنسان. ومن أهدافها أيضا تطوير استراتجيات سياسية وتحليلية في سبيل تعزيز حماية النساء المدافعات عن حقوق الإنسان وللتأكيد بالتالي على الالتزامات للمبادئ الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان المعترف بها عالميا.

وتتلّخص أهداف الحملة بمطالب أربع أساسية:

الإقرار بكينونة النساء المدافعات عن حقوق الإنسان.
مناهضة أعمال العنف.
تحمّل الجهات غير الدول مسؤولياتها في هذين المجالين.
إحقاق حقوق الإنسان بالكامل وللجميع.

الخلفية التاريخية

يحفل التاريخ بالانتهاكات المتعدّدة التي تعرّض لها الكثير من الرجال والنساء في جميع أرجاء العالم خلال مسيرتهم الدائبة للدفاع عن حقوقهم وحقوق الآخرين الطبيعية، بحيث باتوا ضحايا التمييز والاعتداءات تحت مختلف أشكالها وقد دفع الكثير منهم حياتهم ثمنا لشجاعتهم والتزامهم في الدفاع عن حقوق الإنسان، دون أن تقدّر هذه التضحية. فبالرغم من وجود بنية قانونية من شأنها حماية الأفراد كما الجماعات من انتهاكات حقوقهم من قبل الدول أو من قبل جهات أخرى ذو سلطة، يبدو للعيان إن كثير من الناشطين لا يتمتّعون بالحماية اللازمة وفقا لأحكام القانون. وفي هذا الإطار انبثقت رغبة جديدة لوضع إطار قانوني أكثر دقّة وللحثّ على وعي اجتماعي أعمق من اجل حماية وسلامة المدافعين عن حقوق الإنسان.

شارك الفريق القيّم على الحملة النساء المدافعات عن حقوق الإنسان معاناتهم وذلك من خلال سلسلة لقاءات ومشاورات. وقد  ساهم ذلك في فهم أعمق للانتهاكات و الاعتداءات التي يتعرضّون لها واظهر أهمية تطوير آليات جديدة من شأنها التصدّي للتهديدات والمخاطر التي من الممكن أن يواجهنها كنساء مدافعات عن حقوق الإنسان. وساهمت هذه الحملة في حثّ جماعات حقوق المرأة ومنظمّات حقوق الإنسان للعمل جنبا إلى جنب وذلك من خلال توحيد جهودهم ومختلف نشاطاتهم من اجل إيجاد حلول للمعاناة التي تواجهها النساء المدافعات عن حقوق الإنسان. وقد أثمر هذا التعاون بأن وجه كلّ من الافرقاء والمنظّمات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان إنذارات تنتقد وتعترض على الانتهاكات التي تتعرض لها النساء المدافعات عن حقوق الإنسان. كما لفت الفريق العامل النظر إلى النقص في عدم منح الشرعية اللازمة للنساء للعمل كمدافعات عن حقوق الإنسان وذلك من خلال التقاعس في حمايتهم خلال مزاولتهم نشاطاتهم في الدفاع عن حقوق الإنسان.

 

الإعلان عن المدافعين عن حقوق الإنسان


تبنّت الأمم المتحدة في العام 1998 الإعلان عن المدافعين عن حقوق الإنسان. وكان ذلك أول اعتراف رسمي بكينونة المدافعين عن حقوق الإنسان، وكذلك أول التزام للمجتمع الدولي وللدول الأعضاء في الأمم المتحدّة للدفاع عن حقوق أولئك الذين كرسّوا حياتهم للدفاع عن حقوق الآخرين. وقد تم اعتماد هذه الوثيقة بموافقة جماعية أقرت أهمية حماية المدافعين عن حقوق الإنسان و تعزيز نشاطاتهم. ولم يرم ذلك الإعلان إلى وضع حقوق جديدة وإنما إلى الدعوة لتطبيق المعايير الدولية الموجودة والتي تحفظ حقوق المدافعين عن حقوق الإنسان. الإعلان بحدّ ذاته ليس وثيقة ملزمة، وإنما هو يشمل سلسلة من المبادئ والحقوق التي سبق ووردت في اتفاقيات دولية ملزمة كالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فان التصديق على هذا الإعلان هو إقرار بشرعية وجود المدافعين عن حقوق الإنسان وتعزيزا لنشاطاتهم. كما انه يحدّد الأسس التي تمكّن المدافعين عن حقوق الإنسان الارتكاز عليها في تصدّيهم للانتهاكات المرتكبة في حقّهم.

وقد أدى تعيين ممثّل عن الأمين العام للأمم المتّحدة خاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان في العام 1999 وتفويضه بتقديم تقرير سنوي للمفوضية العليا لحقوق الإنسان عن أوضاعهم في العالم، إلى تعزيز الحديث عن هؤلاء وعن حاجتهم لحماية وأهمية الاعتراف بوجودهم.

وقد أتت تلك المبادرات كدعوة للدول و الفعاليات الأخرى للاعتراف بالمدافعين عن حقوق الإنسان والعمل على حمايتهم. ولم يتّم وفقا للعبارات الواردة في الإعلان تحديد فئة معيّنة من المدافعين فأتى المعنى شاملا. وقد خصّت بالذكر السيدّة هينا جيلاني في تقريرها المرفوع للمفوضيّة العليا للأمم المتحدّة وضع المرأة الملتزمة بالدفاع عن حقوق الإنسان –وجيلاني هي ناشطة في مجال حقوق الإنسان من أصل باكستاني وهي الممثلّة الحالية للامين العام للأمم المتحّدة في القضايا المتعلّقة بالمدافعين عن حقوق الإنسان.

 

ما الهدف من تسليط الضوء على النساء المدافعات عن حقوق الإنسان؟

لم يكن من السهل الفوز بالاعتراف بحقوق النساء الناشطات في مجال حقوق الإنسان على الرغم من احتدام المعركة من اجل ذلك والتي استمرّت لأعوام عدّة على جبهات مختلفة.
ولم تكن المهمّة في مواجهة التحديات المناقضة لتطبيق "حقوق الإنسان" لتتصّف بالسهلة. فعبارة "حقوق الإنسان" هي عبارة شاملة تعني حقوق جميع الكائنات البشرية دون الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات القائمة على أساس العرق أو المذهب أو الطبقة الاجتماعية أو الجنس أو السلطة والى ما هنالك من مميّزات خاصّة بكل فرد.

 ليس من السهل كذلك الحديث عن وجوب مساواة المرأة للرجل في جميع الحقوق، في ظلّ تفشّي ما نسمّيه بالسلطة الذكرية في مختلف المجتمعات في العالم. فما أن تطالب النساء جهرا بحقوقهن أو بحقوق جماعات أخرى مهمّشة تعاني من التمييز حتى يتعرّضن للاعتداءات والتحرشّات لجسورهن على القدوم بتلك الخطوة.

تشكّل قضايا حقوق المرأة والنساء المدافعات عن حقوق الإنسان مصدر قلق للدول وللجهات غير الدول وحتى لمسار منظّمات حقوق الإنسان والحركات الاجتماعية التقدّمية بسبب التحدّيات التي تفرضها والتي من شأنها التأثير على استمرارية المعايير والقوانين المتبعّة وعلى هيكلية الإطار الاجتماعي. فإحداث حقوق الإنسان غالبا ما تتخذ طابعا سياسي. وأما الدعوة للمساواة في الجنس فتتطلّب منا الانتباه إلى عدم المساواة في العلاقات وهيمنة السلطة الذكرية على مختلف الأصعدة بما فيها البنى والهياكل التنظيمية.

 

العامل الشديد الخطورة

تتعرّض النساء المدافعات عن حقوق الإنسان خلال مسيرة عملهن إلى انتهاكات عدّة على مستويات مختلفة. فيواجهن كغيرهن من المدافعين عن حقوق الإنسان سلسة من الأخطار خاصة عندما يعترضن إلى القمع الذي تمارسه أجهزة الدولة عند إصرارهن على مطالبة السلطات بممارسة حريّة الرأي و التعبير. بالإضافة إلى أن هويتهنّ الجنسية كنساء تجعلهنّ عرضة لانتهاكات وممارسات من العنف مختلفة عن تلك التي يتعرّض لها زملائهن من الجنس الآخر. ويعتبر الاعتراف بهذا النوع من الأخطار الذي تتعرّض له هؤلاء النساء على قدر كبير من الأهمية خصوصا في ظلّ مجتمعاتنا التي ترفض الاعتراف بكرامة المرأة والمساواة في حقوقها مع الرجل وحيث يتجذّر القمع الشديد لشخصيّة المرأة الذاتية وحقوقها.

وبينما تناضل النساء في أنحاء العالم ليس فقط لحماية حقوق المرأة فحسب وإنما لتعزيز حقوق الإنسان بشكل عام، تستمّر القواعد والمعايير المتحيّزة التي تفرضها المجتمعات على تحجيم دور المرأة الرئيسي وحسره بدائرة الأعمال المنزلية. فان عزل المرأة الذي قرّرته السلطة الذكرية يجعل من المرأة عرضة لشتّى أنواع الانتهاكات والاعتداءات. والناشطين العاملين مع ضحايا العنف المنزلي والاعتداء الجنسي يدركون مدى خطورة العوائق التي تمنع هؤلاء النساء من الحديث عن الاعتداءات والاستغلال الجنسي المستمّر والمحطّ لكرامتهن. وتلعب الثقافة دورا أساسيا في تردد وصمت النساء ضحايا تلك الاعتداءات وصمت من حولهن عما يتعرضّن له من استغلال جنسي وعنف إذ يراود الضحية شعور بالذنب والخجل اثر أي اعتداء.

وتعتبر المقاييس الاجتماعية والتقاليد والأعراف المرأة كرمز لشرف العائلة والجماعة وتحمّلها مسؤولية ذلك مشرّعة العقاب القاسي اللانساني لكل امرأة تتجاوز حدود السلوك الذي فرضته السلطات الدينية أو الثقافية التي يهيمن عليها الذكور. وعلى اثر ذلك فان النساء المدافعات عن حقوق الإنسان يجدن صعوبة بالغة في الحديث عن الانتهاكات التي تتعرّض لها نساء من محيطهن أو من ضمن الأقليات العرقية وذلك من قبل مسؤولين في مجتمعاتهن المدنية. وفي ظلّ التسلسل التقليدي الذي يعيّن الرجل على رأس الهرم الاجتماعي كسلطة مطلقة ومتجذّرة كما في بعض الدول والذي يتجسّد من خلال العائلة والمجموعات على مختلف أنواعها، يعتبر حديث السيدّات الناشطات عن مرتكبي العنف من أعضاء العائلة و زملائهن في الحركات خيانة عظمى وعمل لا وطني. إن السيدات اللواتي تتحدثن وتعملن من اجل الدفاع عن حقوقهن و حقوق مجموعات مهمّشة أخرى تتعرضنّ لخطر الاعتداءات. وإن كلّ هذه الشبكات التي تفرض على النساء الصمت وتعتبر كلامهن عارا هي دعم لثقافة الإفلات من العقاب في الجرائم ضدّ المرأة. ويشكّل هذا تفاقما لخطر انتهاك حقوق السيدّات الناشطات ويعيق تمتّعهن بجميع فوائد المواطنة.

ومن بين النساء اللواتي يتعرّضن أيضا للتّهجمات  والاعتداءات تلك التي تتمرّدن من خلال نشاطاتهن على التقاليد والأعراف وتطالبن بحقّ المرأة في امتلاك الأراضي والإرث وغيرها من الحقوق كحقّ الإنجاب والحقوق الجنسية. وتعمد بعض الجماعات المحافظة و المتطرّفة كاليمين المتشدّد على تحوير الثقافة والأعراف والدين لتبرير انتهاكاتها لحقوق المرأة مما يجعل من مهّمة النساء المدافعات عن حقوق الإنسان في محيط كهذا مهّمة صعبة ومعقّدة إذ يتعرضّن للكثير من المخاطر الناتجة عن نشاطاتهن الدائبة لحماية حقوق الإنسان خاصة عندما يهدّد الاعتراف بالحقوق المطالب بها استمرارية القيم والتقاليد النافذة. هذا وان نشاط النساء الهادف إلى الحثّ على الإقرار بحقوق المرأة والذي يشكل تحدّيّا لوجود السلطة الذكرية ولكافة أشكال التمييز القائمة على أساس الجنس يعرّض المرأة لكثير من المخاطر قد تؤدي ليس فقط إلى الاعتداء عليها وإنما إلى إقصائها خارج الجماعة والمجتمع واعتبارها مهرطقة وكافرة بدينها.

واللاّفت عند الحديث حول النساء المدافعات عن حقوق الإنسان هو استعمال عبارة "ممارسة الإغراء الجنسي" بتكرار لوصف بعض الممارسات التي يتّم من خلالها تحوير بعض التصرّفات التي تطال خصوصية المرأة الجنسية بهدف التحامل وإلحاق الضرر بالنساء المدافعات عن حقوق الإنسان والضغط عليهن ليتقاعسن و ليصرفن بالتالي النظر عن الانتهاكات الجنسية التي يتعرّضن لها وعن مطالبتهن بحقوق الإنسان بشكل عام. وتستعمل عبارة "الإغراء الجنسي" للضغط على النساء المدافعات عن حقوق الإنسان تحت أشكال متعدّدة فتوجه إليهن الاتهامات بأنهن سحاقيات ومنحرفات جنسيا ومتورطّات في علاقات جنسية مختلطة وبأنهن كافرات ضدّ اللّه والدين. ويتهمن غالبا بتسويق حضارة الغرب وهن مسؤولات عن تحطيم الروابط العائلية. ترمي هذه الألقاب والنعوت الموجهّة للنساء المدافعات عن حقوق الإنسان إلى التقليل من شأن نشاطهن.

 وغالبا ما تكون عواقب اتهامها بممارسة الإغراء والانحراف الجنسي وخيمة بالنسبة للمرأة اذ أن العديد من النساء تضطرّن أو تجبرن على الاستقالة من عملهن وتنتزع منهن منازلهن وأطفالهن ويطردن من جماعتهن. وفي حالات كثيرة ينفين من البلاد. وأما النساء اللواتي تطالبن بمحاسبة وتجريم الاغتصاب ضمن العلاقة الزوجية او تنتقدن التسلّط الذكري او تعترضن بالتالي على زجّ المؤسّسة الزوجية والعائلة في إطار محدّد كالزواج الأحادي وحصر العلاقات في بوتقة واحدة بين المرأة والرجل فقط، هنّ نساء معرّضات للتهجّم والحطّ من قدرهن وتشويه سمعتهن بالإضافة إلى العقوبات التي تنزلها بهنّ الأعراف الدينية والاجتماعية في بعض البلدان. وبينما تتعدّد الاتهامات الموجهّة إلى المرأة العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان من حيث وصفها بالأم المهملة والمرأة أو الزوجة غير المثالية لا نجد نفس المعايير والأوصاف عند زملائهن من الرجال العاملين في المجال ذاته.

و غالبا ما تترجم الحملات الهجومية ضدّ النساء العاملات في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان بفرض قيود على حريتّهم في التعبير وإلقاء الخطابات وإقامة التجمّعات والتعرّض للأسس الشرعية التي تقوم عليها منظّماتهم. ويتمّ التلاعب بالقضايا المتعلّقة بالجنس وتحويرها ليس فقط بهدف التعرّض للمثليين والخنثويين وغيرهم من المناصرين للحقوق المتعلّقة بالجنس وإنما في سبيل التأثير أيضا على مصداقية جدول الأعمال السياسي الذي مهدّت له النساء الناشطات في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. وفي مواجهة هذه الأجواء من العنف والعدائية تجاههن، تمتثل بعض الناشطات خلال مراحل عديدة من عملهن إلى قرارات مدركة لخطر التهجّمات التي تحيط بهن فيخفضن نبرة المطالبة بالحقوق وبمقاضاة مرتكبي الانتهاكات المتعلّقة بالجنس ويعدلن عن الحديث عنها خوفا من الجزاء الذي يمكن أن يلحق بهنّ من جرّاء ذلك. فرض المراقبة الذاتية وعولمة هذا النوع من الهلع أصبحا متأصّلين لدرجة أضحى معها كسر حواجز الصمت عن تلك الانتهاكات صعبا جدا حتى في ظلّ مناخات سياسية واجتماعية مؤهّلة لاستيعاب هذه القضايا وتشجيعها للظهور إلى الضوء.

وضمن هذا الإطار فان عبارة "النساء المدافعات عن حقوق الإنسان" تشمل على حدّ سواء النساء الناشطات في الدفاع عن حقوق الإنسان المستهدفات والمضطهدات بسبب هويّتهم الجنسية والنساء المطالبات بحقوق المرأة والمستهدفات بسبب طبيعة عملهن.

 

بماذا تطالب الحملة؟

 

الاعتراف بشرعية عمل النساء المدافعات عن حقوق الإنسان

على الرغم من العراقيل وأعمال القمع التي تواجهها في مختلف أرجاء العالم، لا تزال النساء مستمرّات في مسيرتهنّ لتعزيز حقوقهنّ وحقوق الإنسان و الدفاع عنها وحمايتها. وهن يتطرّقن في أعمالهن لكثير من الحقوق بما فيها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وتلك المتعلّقة بالصحّة وحقوق الإنجاب والجنس والعمل وحقوق الشعوب الأصلية والأقليات وأخيرا الحقوق المتعلّقة بالبيئة. وكثر هن النساء المتطوعات في صفوف العمل الناشطات لمكافحة العولمة والحروب والتي من شأنها رفع مستوى الحقوق لجماعات مختلفة وذلك من خلال العمل من اجل إحلال العدالة الاجتماعية ودعم السلام وفتح باب المشاورات المتعلّقة بالشفافية واختيار حكّام بما يتوافق ومبادئ المساواة دون التمييز.

إضافة لمناهضة الانتهاكات ضدّ النساء القائمة على أساس الجنس، فان المدافعات عن حقوق الإنسان يقاومن باستمرار النموذجية التسلّطية الموحدّة للذكور والمسيطرة على مجتمعاتنا والتي تسعى الى تعطيل أدوارهن كسيّدات رائدات في دائرة النشاط العام. وتظهر العدائية تجاههن أكثر منها تجاه زملائهنّ الرجال وذلك بسبب تحديهنّ لتلك النموذجية الثقافية والاجتماعية المحدودة المفروضة على المرأة والتي تحدّ بالتالي من دورها. فالعلم ليس حكرا على الرجل. النساء المدافعات عن حقوق الإنسان هنّ أكثر عرضة للتهجّم ووصمات العار والتهميش بسبب نمط حياتهن مقارنة مع الرجال العاملين في نفس المجال والظروف.

ويشكّل توجيه مسار مؤسّسات حقوق الإنسان وتركيز أنظمتها على الشأن العام ومساءلة الدولة، عامل آخر يؤدي إلى تجاهل عميق لدور الجهات غير الدول او الخاصّة عند الاعتداء على النساء المدافعات عن حقوق الإنسان. ومن بين هذه الجهات المرتكبة لتلك الاعتداءات الهيئات المتعدّدة الجنسيات والشركات الخاصّة والحركات المجاهدة المسلّحة وغير المسلّحة والجماعات المتطرّفة والأفراد المتطّرفين الذين تربطهم علاقة قرابة مع الضحايا.

ولا تزال قضية محاسبة الجهات غير الدول لانتهاكها حقوق الإنسان من الأمور المستعصية التي يتناولها الحديث المعاصر حول حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال هناك العديد من الأقليات العرقية والجماعات والشعوب الأصلية التي تعاني من انتهاكات كبيرة لحقوقها الطبيعية من قبل الهيئات المتعدّدة الجنسية والتي تستولي على ممتلكاتها من الأراضي والغابات مما يضطرّها إلى تعيين حرس خصوصي مسلّح لحمايتها. وغالبا ما تبثّ الجماعات المسلّحة روح التطرّف وتنتهك حقوق الجماعات المدنية وخصوصا حقوق النساء منهم وتقوم بممارسات وحشية ضدّ الإنسانية والديمقراطية بهدف زعزعة قوى المعارضة وإخماد أصوات من يقاومها. وفي ظروف كهذه تستهدف النساء بسبب هويتّهن الجنسية وسعيهم لحل ّالمعضلات المشتركة لإنصاف حقوق الأقليات العرقية والشعوب الأصلية.

وتسعى المؤسسات الذكرية والأنظمة القانونية لمراقبة أعمال النساء المدافعات عن حقوق الإنسان والضغط عليها من خلال عدم الاعتراف بشرعية أعمالهن. ويشكّل هذا التجاهل بالاعتراف بحقّ النساء بالدفاع عن حقوقهن الخاصّة تحديّا لشرعية حقهنّ بقيادة جماعات وحركات اجتماعية. إن تهميش مصداقية عمل النساء  هذا يعرضهنّ لإخطار كثيرة. وتلقى الانتهاكات التي تتعرّض لها النساء المدافعات عن حقوق الإنسان اهتماما اقلّ بكثير من تلك التي يتعرّض لها الرجال الناشطين في نفس المجال. ولفت النظر إلى هذا الأمر هو بغاية الأهمية خصوصا بالنسبة للنساء العاملات على مستوى المجتمع المحلّي واللواتي لم يتّم الاعتراف علنا بشرعية أعمالهن اذ يتعرّضن للخطف والتعذيب دون إدراك الرأي العام لذلك. وغالبا ما يتمّ وبكل بساطة تصنيف تلك الجرائم والانتهاكات نظرا لما تحمله من طابع سياسي في خانة الجرائم العامّة. وأكثر من ذلك فان هذه الانتهاكات ضدّ النساء تعتبر كاعتداء أكثر منه كانتهاك ومحاولة لفرض السلطة الذكرية. وتسعى النساء المدافعات عن حقوق الإنسان من خلال كفاحهن إلى التأكيد على أن الاغتصاب ليس فعل يقتصر على الجنس فقط بل هو عمل من العنف ومثل من بين أمثلة كثيرة عن الانتهاكات والتمييز القائم على أساس الاختلاف في الجنس ويظهر هذا التمييز حتى ضمن الحركات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.

ويتفاقم الخطر الذي يهدّد النساء المدافعات عن حقوق الإنسان وذلك بسبب غياب نظام لتدوين الأحداث المتعلّقة بالتمييز القائم بسبب الاختلاف في الجنس وحفظها في وثائق وبسبب عدم تنظيم مظاهرات تناهض ممارسة العنف ضدّ هؤلاء النساء. ويأتي هذا نتيجة لإهمال شؤون المرأة وللفجوات المتأصلّة في الأنظمة القانونية التي من شأنها أن تتضمّن الإجراءات اللازمة لحمايتهنّ. هذا الضعف يعرّض النساء المدافعات عن حقوق الإنسان أكثر فأكثر للعنف والاعتداءات على مختلف أنواعها. فمن المفترض أن يعمل على تطوير طرق لرصد ونقل كل تلك الانتهاكات ولتشجيع الضحايا وحملهم على الكلام. وان العديد من الناشطين في مجال مكافحة العنف ضد المرأة قد اعتمدوا مناهج بديلة وذلك من خلال تسجيل شهادات ودلائل من شأنها أن تقلّل من صدمة اللواتي تعرّضن للأذى ومازلن أحياء تروين قصتّهن مما قد يسهّل بالتالي إقامة دعوى ولكي لا يتم اغتصاب حقّ هؤلاء.
وفي ظلّ عدم الاعتراف بحقوق المرأة كجزء من حقوق الإنسان فان تجاهل الأخطار التي تتعرّض لها والأدوار الرئيسية التي تقوم بها يثير الشك حول مدى الاهتمام بشؤون المرأة من قبل الأنظمة الخاصّة بحقوق الإنسان، ويعدّ هذا نكران لعملها ولقيادتها  ولمساهمتها البارزة في الدفاع عن حقوق الإنسان. عادة وفي مسار عمل العديد من شبكات ومنظّمات حقوق الإنسان وكذلك في طريقة عمل الاتحادات التجارية والأحزاب السياسية يتمّ فصل القضايا المتعلّقة بالمرأة ووضعها جانبا عند تفاقمها. وكثيرا ما يتمّ إهمالها بحجّة الاهتمام بقضايا مستعجلة و كثيرا ما تدوّن هذه القضايا على جدول الأعمال بعد تحقيق أهداف لشؤون على المستوى العالمي. ويؤدي هذا التصرّف ليس فقط إلى إقصاء المرأة وعزلها وإنما أيضا إلى الإلقاء بحقوقها في غياهب الظلمة. وفي هذا الإطار نلفت النظر إلى عدم استقلالية النساء والاعتراف بهنّ كأفراد لهم كينونتهم الخاصّة وكمدافعات عن حقوق الإنسان. إذ إن اللواتي يضطررن للهروب من بلداهن اثر خطر محدق ناتج عن طبيعة نشاطهن في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان يحصلن على حقّ اللّجوء مدّون عليه تابعيتهنّ لأزواجهن الذين غالبا ما يكونون روّادا لحركات سياسية او اجتماعية.

وبفضل نشاطها استطاعت المرأة تبديل دورها ضمن العائلة بحيث كانت تعاني من التهميش وكانت مجبرة على الخضوع، أما اليوم فقد أصبحت مصدرا للنشاط والعمل الجماعي. وفي العديد من البلدان في العالم وفي مواجهة للقمع السياسي الممارس عليها من قبل السلطات والجهّات غير الدول، بدّلت المرأة مفهوم الأمومة مطالبة بإحقاق العدالة الاجتماعية و محاسبة جميع مرتكبي الاعتداءات على المرأة. ففي الأرجنتين شكلّت أمهات بلازا دي مايو (ساحة أيار) ضغطا ملموسا على السلطات للإعلان عن الجهّات المسؤولة عن اختفاء أبنائهن في أواخر العام 1970 إبان النظام العسكري. فالخبرات والمعارف التي منحتها المرأة للمجتمع من خلال الأدوار المتعدّدة التي قامت بها كمعتنيات بشؤون حقوق الإنسان من شأنها أن تؤدّي بالسلطات والمنظّمات العالمية وغيرها إلى التدخّل لوضع خطط إستراتجية لتأمين الحماية اللاّزمة للمرأة.

 

مقاومة عنف الدولة

إن تغير طبيعة الدولة القومية  في نهاية القرن العشرين و العمليات السياسية والعسكرية العديدة، التي مهدت الطريق إلى تكوين العديد من الدول الجديدة، كان لهما أثر شديد على مسألة حماية و تعزيز حقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، فكثرة العمليات الاقتصادية التي يشار إليها بمصطلح العولمة غالباً ما أدت إلى تحولات تصدم المجتمعات و الجماعات باسم السياسات الاقتصادية الليبرالية التي تركز على النمو و خصخصة الخدمات العامة و مراجعة قوانين التجارة و المالية. إن كل هذه العمليات خلقت أزمات اجتماعية ضخمة و منافسة على موارد أفقر الجماعات و أكثرهم تهميشاً في لعالم.

 

إن هذه العملية، التي يرفقها تصاعد في استخدام العنف كوسيلة لحل الصراعات، أدت إلى انتشار النزاعات الداخلية المسلحة و كفاح الانفصاليين و الصراعات المنخفضة الحدة كظاهرة عامة. و تعتمد الدول أكثر فأكثر على سلطة  القوات المسلحة و الأمن لضمان الاستقرار على جميع الجبهات. إن الروح الحربية لا يمكن فصلها عن عملية إضفاء الصفة العسكرية و تطبيع الحضور العسكري في الحياة المدنية و في هياكل اتخاذ القرار. إن الحرب الشاملة ضد الإرهاب، التي تبعت الهجمات على مركز التجارة العالمي و البنتاجون في الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر2001، قد حبذت الاستمرار في حل النزاعات و الأزمات بالوسائل العسكرية. و بجانب تصاعد التعصب ضد تعدد الآراء و الاختلاف، من الملاحظ وجود تهديد جاد للإدارة العالمية من قبل الأعمال الأحادية الجانب. فالمثل الصارخ على ذلك هو قرار حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بالهجوم على العراق بغض النظر عن المعارضة الواسعة لهذا النهج. إن حكومات العديد من الدول النامية اضطرت قبول الأدوار التي حددت لهم في الحرب ضد الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية و ذلك بسبب ارتباط تعاونهم في هذه الحرب بمساعدات و امتيازات اقتصادية.

لقد برر هذا المناخ خطوات اتخذتها العديد من الحكومات لسن و تطبيق قوانين لمكافحة الإرهاب تلغي المعارضة الديمقراطية و تنتهك العديد من حقوق الإنسان والشعوب المحكومة. فقد وفرت فرصة للأنظمة الاستبدادية لقهر معارضتهم. إن الدعوة من أجل الحريات الأساسية لمراقبة تعديات الحكومات و المطالبة بتغيرات ديمقراطية يتم تعريفها كتهديد للأمن القومي و العالمي. يخلق ذلك مناخ شديد الخطر على المدافعين عن حقوق الإنسان عامةً. إن المدافعين عن حقوق الإنسان رجالاً كانوا أم نساء الذين يعملون من أجل الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و حقوق الإنسان يواجهون اتهامات بالحث على التمرد و إذاعة معلومات كاذبة و الأضرار بسمعة البلاد بسبب التبليغ عن حالة حقوق الإنسان المحلية في المناسبات لدولية. و تستخدم المحاكم و الإجراءات القانونية لمضايقة الناشطين من خلال القضايا و المحاكمات المطولة و الغرامات الهائلة و الاحتجاز المطول. و قد سنت الحكومات أيضاً أحكام تسمح بمراقبة و سيطرة الدولة الشديدة على نشاطات منظمات المجتمع المدني عن طريق إجراءات تسجيل تعسفية و تقييد الحصول على أموال من مصادر أجنبية و تبليغ إجباري بعاملين بالمنظمات الغير حكومية الغير مقيمين.

إن تقرير سنة 2005 للممثلة الخاصة للسكرتير العام للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان قدم تعليقات هامة بهذا لخصوص مشيراً إلى تقارير كانت قد تلقتها الممثلة الخاصة بخصوص مدافعين عن حقوق الإنسان تم الاعتداء عليهم حتى في المظاهرات و المسيرات السلمية و كذلك عند قيامهم بتحقيقات متعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، و قبل ذلك عند تعبيرهم عن قلقهم بخصوص حقوق الإنسان. و من بين الانتهاكات التي ذكرها التقرير يوجد الاعتقال و الحبس التعسفي الذي غالباً ما يكون مقرون بحذر الاتصال بمحامى أو العائلة و التهديد و المضايقات من قبل السلطات، بما في ذلك قطع خطوت الهاتف و مصادرة وثائق السفر و الملاحقة القانونية بعد إصدار تصريحات ضد الحكومة، و أيضاً تهديد أفراد العائلة و وضعهم في القوائم سوداء.

إن حالة الناشطة النسائية الإيرانية محبوبة عباسغولزاد تعتبر مثل لأنواع و درجات الانتهاكات التي يمكن أن تواجهها النساء المدافعات عن حقوق الإنسان عند مواجهتهن لانتهاكات الدولة حيث تم اعتقالها و مسائلتها بعد مداخلاتها في الاجتماعات الدولية خارج إيران، في المنتدى الاجتماعي الأوروبي و في منتدى آسيا و المحيط الهادئ للمنظمات الغير حكومية في بكين +10. و يتم دائماً مسائلتها عن علاقاتها الجنسية و تهديدها باعتقال بنتها إذا لم تتعاون. و كذلك في إطار نمو منظمات اللوطيين و السحاقيات في زيمبابوي أطلق الرئيس موجابي العديد من الهجمات الشفوية ضد اللوطيين و السحاقيات حيث انه يربط بين التعددية الجنسية و الانحدار الوطني معطياً تبريراً لتهميشهم و الاعتداء عليهم.

إن إطار مسائلة الدول و التزاماتهم طبقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان هو خط الدفاع الأمامي للدفاع عن المدافعين عن حقوق الإنسان. إن النشاط من اجل النساء المدافعات عن حقوق الإنسان برهن على أهمية عملهن في مجال أعمال العنف و الانتهاكات التي ترتكبها الدولة أو من تحت أمرها  ضد النساء المدافعات عن حقوق الإنسان.

إن الاعتماد المتزايد للعديد من الدول، خصوصاً تلك التي تواجه تهديداً للاستقرار السياسي، على القطاع الخاص و شركات الأمن الخاصة يمكنه أن يخبئ حقيقة مسائلة الدول بخصوص تل الانتهاكات. ففي تايلاند و الفليبين هناك العديد من الأمثلة لشركات خاصة تستخدم قوات أمن خاصة أيضاً لتخويف، و في بعض الأحيان قتل، أناس من الجماعات التي تعترض على ترحيلها و تعترض على الأذى الذي يلحق بالبيئة بسبب أعمال تلك الشركات.
إن قضية عنف الدولة و انتهاك حقوق المدافعين عن حقوق الإنسان تصبح أكثر تعقيداً إذا اعتبرنا الالتزامات الإيجابية للدول بخصوص  تعزيز و حماية حقوق الإنسان طبقاً للمعاهدات و الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان.  إن واجب الدول و السلطات في منع الأفعال الخاطئة و التحقيق و المعاقبة، بما في ذلك أعمال الجهات غير الدولة، قد أصبح أقوى بسبب التركيز على مسؤولية الدول عن فشلهم في منع انتهاكات حقوق الإنسان من الحدوث و مسؤولياتهم في حماية حقوق كل من هم موجدين تحت حكمها.

المسؤولية عن الانتهاكات من قبل جهات من غير الدولة

كما هو مشروح أعلاه فإن مصطلح  جهات من غير لدولة بإمكانه أن يتضمن أفراد الأسرة و الجماعة و أعضاء الجماعات الأصولية و المتطرفة و المسلحة و الإعلاميين و آخرين مثل الشركات عبر الوطنية و المؤسسات المالية الدولية. إن التمييز بين الدولة و الجهات من غير الدولة أحياناً ما  يكون سطحياً عند التعرف على المرتكبين و تحديد المسؤولية بخصوص الانتهاكات. فمثلاً فإن الجماعات شبة العسكرية تصنف كجهات من غير الدولة يمكن أن يكونوا مدعومين من الدولة مثلما هو الحال في العمليات المضادة للعصيان. كذلك تقع المسؤولية عن الانتهاكات على الدولة و الجهات من غير الدولة حتى إذا كانت مرتكبة مباشرةً من قبل الجهات من غير الدولة. و يعد ظهور جهات من غير الدولة قوية مقرونة بحركة شعبية و تصاعد الصراع و أزمات حقوق الإنسان العابرة للاختصاص الوطني يبرهن على محدودية نموذج مسائلة الدولة عن انتهاكات حقوق الإنسان القائمة على فكرة السيادة الوطنية.

إن مصطلح الجهات من غير الدولة لا تنبع أهميته في وضوح معناه بل لأنه يعد قفزة نوعية حيث يحمل مسؤولية هؤلاء عن انتهاكات حقوق الإنسان حسب القانون الدولي لحقوق الإنسان. قبل التسعينات من القرن الماضي أدت فكرة أن الدول هي الوحيدة التي توقع على العاهدات الدولية و إذاً هي الجهة الخاضعة للقانون الدولي لحقوق الإنسان إلى إفلات الجهات من غير الدولة من العقاب عند انتهاكهم لحقوق الإنسان. إن التركيز التقليدي لناشطي حقوق الإنسان على مسؤولية الدولة يفسر جزئياً لماذا تم تجاهل قضايا العنف ضد المرأة في القانون الدولي لحقوق الإنسان  و تم اعتبار هذه القضايا خارج اختصاص الحكومات و منتظمات حقوق الإنسان حتى التسعينات من القرن الماضي.

على سبيل المثال فيما يتعلق بحالات العنف ضد المرأة و النساء المدافعات عن حقوق الإنسان في الجزائر في الثمانينات و التسعينيات من القرن الماضي كانت غالبية انتهاكات الدولة موجهة ضد الرجال بينما كانت انتهاكات الجماعات المسلحة الأصولية قد أضرت مئات الآلاف من النساء و النساء المدافعات عن حقوق الإنسان. إن التركيز على انتهاكات الدولة دون عنف الجهات من غير الدولة أخفى المرأة و أشكال العنف المخصوصة الموجهة ضدهن و كل من دافع عنهن. في نفس الوقت استغلت الجماعات الأصولية خطاب حقوق الإنسان لتقديم نفسها كضحية و المطالبة باحترام الحقوق التي كانت هي نفسها تحرم منها ضحاياها. و لقد أصبحن شريكات و متحدثات مقبولات في منابر حقوق الإنسان و حيث تمتعن بالإفلات من العقاب ماحين بذلك دورهن كمرتكبات للعنف و لانتهاكات حقوق الإنسان. فكانت النتيجة الفاضحة لهذه الحالة هي تمتع سياسيي الجهات من غير الدولة بصفة اللاجئين في العواصم الأوروبية بينما لا يحق ذلك لضحاياهم لأنهم لم يكونوا مضطهدون من قبل الدولة. كان ذلك بمثابة جرح آخر للضحايا و للنساء المدافعات عن حقوق الإنسان آلائي رفض الاعتراف بهن كحقوقيات تستحق حقوق.

إن الإصرار على مسؤولية الجهات من غير الدولة عن انتهاكات حقوق الإنسان يعتبر أمر مصيري لحماية النساء المدافعات عن حقوق الإنسان. إن الطريقة التي استخدمت فيها المرأة و جسدها كعلامة ثقافية من قبل الجماعات الأصولية و الحركات الوطنية المتطرفة و الجماعات الانفصالية معروفة و موثقة. إن الناشطات من أجل حقوق المرأة يتعرضن للعنف ليس فقط من قبل الجهات الخارجية (الأعداء الذي ينتقمون من الجماعة الأخرى) بل أيضاً من جهات داخلية حيث أن الدفاع عن حقوق المرأة يعد معارضة لممارسات ثقافية قمعية و عادات ذات قيمة عالية لهذه الجماعات. بالإضافة إلى ذلك فإن النساء المدافعات عن حقوق الإنسان العاملات في ظروف عنف و نزاع مسلح يتعرضن على سبيل المثال إلى  أشكال معينة من العنف بما في ذلك جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية. و يواجهن أيضاً خطر أكبر في الفترات الانتقالية و ما تلي النزاع عندما يتحول العنف العام إلى خاص، حيث يتم النظر إلى العنف و كأنه غير موجود في هذا الإطار. 

إعمال كافة حقوق الإنسان للجميع

إن إعمال كافة حقوق الإنسان للجميع هو أفضل وسيلة لحماية النساء المدافعات عن حقوق الإنسان و منع الانتهاكات ضدهم. إن الرجال و النساء المدافعين عن حقوق الإنسان هم الأكثر تعرضاً للخطر في حالة زيادة القمع السياسي و الاستبداد و العسكرية من قبل الدولة و حلفائها. العديد من الحكومات تراجعت عن التزاماتها بمقتضى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. إن الدول و الجهات من غير الدول استمروا في انتهاك حقوق الإنسان مع الإفلات من العقاب. لقد جعل ذلك العمل في مجال حقوق الإنسان أكثر صعوبة للناشطين. فهناك اليوم حاجة أكثر من أي وقت مضى للمطالبة بإنجاز كافة حقوق الإنسان و أيجاد طرق فعالة لجعل الدول و الجهات من غير الدول مسؤولين مباشرةً عن انتهاكات حقوق الإنسان.

إن النضال من اجل كسب الاعتراف بمصطلحات الحقوق في المجال البيولوجي و التناسل البشري و ممارسة الاختيار المتعلق بالجنس مستمر في إطار الدعوة لإعمال كافة حقوق الإنسان. إن الوثائق الناتجة عن المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (القاهرة 1994) و عن المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة (بكين 1995) تحمل لغة تعتبر قفزة نوعية من حالة اعتبار تلك المواضيع مسألة صحة عامة إلى حالة قبول شرعية تلك الحقوق في إطار عدم التمييز و استقلال المرأة. إلا أن هذه المكتسبات تم إعاقتها و مقاومتها دائماً من قبل تحالف قوى المحافظين و التطرف و الأصولية الدينية. بالإضافة إلى ذلك فإن ترجمة هذه الحقوق بطريقة تخدم الهيئات النسائية في القوانين و الممارسات مازال أمراً مثيراً للجدل.

إن صناع السياسات بما في ذلك الموجودين في مجال حقوق الإنسان مازال عليهم أن يعوا كاملةً الأوجه المتعددة للحقوق المتعلقة بالإنجاب لتشمل حق المرأة في تحديد متى و كيف تنجب بما في ذلك الحق في وسائل منع الحمل و الإجهاض و الحق في حياة جنسية مأمونة و مرضية مبنية على الرضى و الاختيار. إن حقوق الإنسان للمرأة تتضمن هذه الحقوق التناسلية و الجنسية. إن المقياس المعتمد حالياً هو الفقرة 96 من منهاج عمل بكين التالية:

و تشمل حقوق الإنسان للمرأة حقها في أن تتحكم و أن تبت بحرية و مسؤولية في المسائل المتصلة بحياتها الجنسية، بما في ذلك صحتها الجنسية و الإنجابية، و ذلك دون إكراه أو تمييز أو عنف. و علاقات المساواة بين الرجال و النساء في مسألتي العلاقات الجنسية و الإنجاب، بما في ذلك الاحترام الكامل للسلامة المادية للفرد، تتطلب الاحترام المتبادل  و القبول و تقاسم المسؤولية عن نتائج السلوك الجنسي.

إن تجريم العديد من الدول للعلاقات الجنسية فيما بين أفراد من نفس الجنس و كذلك تهميش كافة مجموعات الرجال و النساء الذين يمارسون خيار أو تفضيل جنسي يتعارض مع المعايير السائدة، يجعل مناصرة الحقوق الجنسية مسألة صعبة للغاية. إن نقص الشرعية الاجتماعية أيضاً مرتبط بنقص شرعية الحقوق الجنسية و حقوق الإنجاب في منظمات و شبكات حقوق الإنسان التقليدية. إن دوام غياب الحقوق الجنسية و قضايا اللوطيين و السحاقيات و أشكال الجنس الأخرى في جميع المستويات بما في ذلك الحركات الاجتماعية هو في حد ذاته شكل من الأشكال التمييز و انتهاك للحقوق الجنسية.

إن الصفة المركزية للدعوة من اجل الحقوق الجنسية يصبح أكثر إلحاحاً مع تصاعد العديد من أشكال الأصولية التي أصبحت قوة أساسية مسؤولة عن العديد من انتهاكات حقوق المرأة و حقوق الإنسان. إن الأصولية كمشروع سياسي يستخدم الدين للحصول على السلطة أو الاحتفاظ بها تستمد شرعيتها من مصطلح مصطنع هو الأخلاق العالمية الذي لا يسمح سوى بهوية واحدة تعتبر صافية و صالحة و أصلية. إن هذا الصفاء أو الأصالة يتحقق أساساً من خلال السيطرة على المرأة بما في ذلك حياتها الجنسية. و كما أن الأيديولوجيات الأصولية تتقدم في المجتمعات، بدأت عناصر من هذه الأيديولوجيات تؤثر على عمليات التشريع و صياغة السياسات. إن السياسة الأمريكية التي أعادت وضعها إدارة بوش (جلوبال جاج رول) إنما هي مثل صارخ، حيث تمنع الدعم المادي للمنظفات غير الحكومية التي تعمل في مجال قضايا الإجهاض و تعديل القوانين بهذا الخصوص و تمنع أيضاً أي دعم مالي للمنظمات العاملة في مجال الايدز إلا لتلك التي تشجع الامتناع عن الجنس أو النهج "ألف، باء، جيم" ( الامتناع والإخلاص واستعمال الرفالات).

توصيات

إن الحملة الدولية المتعلقة بالنساء المدافعات عن حقوق الإنسان تسعى لبدء عملية تعبئة و تفكير، فيما بين اللاعبين الأساسيين في مجال حقوق الإنسان، في المسائل التي تخص النساء المدافعات عن حقوق الإنسان، و تسعى كذلك  إلى دعم المبادرات العديدة و المتنوعة التي تهدف إلى تعميق فهم حقوق الإنسان والدفع لتطبيق عالمي لمبادئ حقوق الإنسان، خصوصاً في الظروف العامة الحالية.

 

على وجه الخصوص، تسعى الحملة لخلق اهتمام و دعم من قبل المجتمع الدولي من أجل العمل باتجاه تحقيق المعطيات الأساسية التالية:

1- معاملة النساء المدافعات عن حقوق الإنسان كشريكات و زعيمات على قدم المساواة في الدفاع عن حقوق الإنسان

و يجد هذا الهدف جذوره في الالتزام بإنجاز المبدأ العالمي لحقوق الإنسان المتعلق بالمساواة فيما بين الرجل و المرأة و ذلك بناءاً على الفهم النسائي لمساواة ثابتة تتحدى و تسعى لمعالجة تقليص حقوق المرأة المبني على مفاهيم خاطئة عن الوظائف البيولوجية المختلفة بين الرجل و المرأة.

2- الاعتراف بالنساء المدافعات عن حقوق الإنسان و حمايتهن من التمييز و الانتهاكات

إن العديد من المخاطر التي تواجهها  النساء المدافعات عن حقوق الإنسان تنبع من نقص الاعتراف بوجودهن في الميدان و نقص في الشرعية المعطاة للقضايا التي يدعون إليها. إن نقص الاحترام تجاه النساء المدافعات عن حقوق الإنسان قد يكون له تأثيراً سلبياً في النهاية على الدعوة لحقوق الإنسان ككل. 

3- تعاطي الحكومات و المنظمات غير الحكومية و أعضاء المجتمع المني الآخرون مع هموم النساء المدافعات عن حقوق الإنسان و حمايتهن طبقاً لإعلان الأمم المتحدة الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان و الاتفاقيات و الآليات الدولية الأخرى

إن الحماية الملاءمة للنساء المدافعات عن حقوق الإنسان تتطلب فهم أشكال انتهاكات حقوق الإنسان المبنية على نوع الجنس و تهديدها و أثرها على النساء المدافعات عن حقوق الإنسان. و يجب وضع التعاطي مع هذه الانتهاكات في إطارها الصحيح و على آليات الحماية التأكيد على مبدءا المساواة و عدم التمييز. و يجب أن يمنع استخدام الثقافة و الدين لتبرير الانتهاكات ضد المرأة و يجب حماية الناشطات في جميع مواضع عملهن في القطاع العام والخاص مع تحمل الدولة و الجهات من غير الدولة المسؤولية مباشرةً عن انتهاكاتهما لحقوق الإنسان.

و من أجل تحقيق حماية للنساء المدافعات عن حقوق الإنسان قائمة على هذه المعطيات الأساسية، تطالب الحملة بآلاتي:

للحكومات:

إلغاء كافة القوانين و السياسات التي تنتهك حقوق الإنسان و حقوق المرأة، بما في ذلك قوانين مكافحة الإرهاب، و تلك التي تهدد المدافعين و المدافعات عن حقوق الإنسان و اتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق المبادئ الموجودة بإعلان الأمم المتحدة الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان من أجل الاعتراف و حماية النساء المدافعات عن حقوق الإنسان و ضمان مساواة المرأة في حقها في الدفاع عن حقوق الإنسان و كافة حقوقها الأخرى؛
اتخاذ إجراءات فعالة لمعاقبة المسؤولين الرسميين و الجهات من غير الدولة الذين يستغلون نظام القضاء الجنائي و الأعلام و الجماعات لمضايقة النساء المدافعات عن حقوق الإنسان أو إعاقة عملهن المشروع للدفاع عن حقوق الإنسان و الحريات الأساسية؛ 
توفير الدعم المادي و الموارد اللازمة لتحقيق حماية شاملة للنساء المدافعات عن حقوق الإنسان و لتعزيز حقوقهن.

للأمم المتحدة  و جماعات حقوق الإنسان:

تطوير آليات جديدة لتحقيق مسائلة أكثر فاعلية للجهات من غير الدولة عن انتهاكاتهم ضد المرأة و النساء المدافعات عن حقوق الإنسان؛

الاستمرار في دعم ولاية الممثلة الخاصة للامين العام للأمم المتحدة المعنية بالدافعين عن حقوق الإنسان و التأكد من أن التركيز على  النساء المدافعات عن حقوق الإنسان يبقى أمراً مركزياً في عملها بهدف تطوير و إبقاء حامية فعالة و مناسبة و متاحة للنساء المدافعات عن حقوق الإنسان؛ 

توفير مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان الدعم التقني و الموارد لهيئات الأمم المتحدة و الهيئات الوطنية المعنية، بما في ذلك الجان الوطنية لحقوق الإنسان، و كذلك بهدف تنفيذ توصيات الممثلة الخاصة للامين العام للأمم المتحدة المعنية بالدافعين عن حقوق الإنسان و خصوصاً تلك التي تتعلق بمنع الانتهاكات و حماية النساء المدافعات عن حقوق الإنسان؛

تطوير مبادئ توجيهية حسب نوع الجنس لتوفير الحماية و الأمان للنساء المدافعات عن حقوق الإنسان التي تتعرضن للخطر قبل حدوث عنف شديد مثل: التحقيق الكامل و النزيه في  الانتهاكات ضد المدافعين و المدافعات عن حقوق الإنسان و تقديم المسؤولون للعدالة و تعويض الضحايا أو ذويهم. و كذلك ضمان توفير متساوي للنساء المدافعات عن حقوق الإنسان في الوصول للعدالة و التحقيقات القضائية و أن تكون الإجراءات القضائية ضدهن مطابقة للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.

لمنظمات حقوق الإنسان و المجتمع المدني و المنظمات غير الحكومية:

اتخاذ إجراءات لحماية هؤلاء الذين يضطهدون بسبب الدعوة بشأن الحقوق الجنسية و إزالة جميع أشكال التمييز ضد الأشخاص ذوي الميول الجنسي المختلف بما في ذلك اللوطيين و السحاقيات و الخنثويين و ثنائي الجنس؛

تطوير برامج لتوفير موارد كافية لحماية النساء المدافعات عن حقوق الإنسان و التعامل مع الانتهاكات القائمة على أساس النوع الموجهة ضدهن؛

الاعتراف بأن النساء المدافعات عن حقوق الإنسان جزء من المدافعين عن حقوق الإنسان فيما يتعلق بحقوقهن و انه يجب استشارتهن فيما يخص أمنهن و حمايتهن كالمدافعين عن حقوق الإنسان.
 

   
   

الصفحة الرئيسية