من أجل علمانية أكثر انفتاحا    [     

  

نضال درويش

" أنا إنسان ولا شيء مما هو إنساني بغريب عني "  

مقولة قديمة أصلها في الأدب اللاتيني

  يضمر العنوان تأكيدا و اعترافا بالمأزق المعاش أولا ، وما يرافقه من هواجس مختلفة ثانيا ، كما يؤكد راهنية و وجوب التحدي ثالثا ، و لا ينفي بالنتيجة اللحسة الإيديولوجية رابعا .

    تدخل الأزمة العالم العربي مرحلة متميزة و نوعية ، حتى طالت كل مساحات الواقع  ، بما فيها الفكرية و الروحية و الأخلاقية ، ليفقد بذلك المجتمع عناصر توازنه ، مما يضع المثقف أمام تحديات تاريخية متفردة فرضتها العوامل الداخلية و الخارجية عبر تداخلها و تخارجها ، " فاقدا " بذلك وهمه الذاتي بموقعه الحيادي تجاه قضايا الإنسان و الوطن ، كما اكتسب العامل المعرفي الموقع و الأهمية القصوى التي يستحقها ، بعد أن تم إهماله و تهميشه تاريخيا .

     بجملة هذا الاعتراف الأولي و المبدئي علينا أن نبدأ ، إذا ما ادعينا إننا نحاول التأسيس – لعقلنة الوعي العربي – العقلنة هنا ليس بالمعنى الوضعي للكلمة – و الحد من الانهيار المعمم ، وتجاوز تظاهرات التأخر العربي .

   وفيما يخص بحثنا ، البداية و محاولة التأسيس ، تحيل إلى قضية المنهج ، التصور ، أي كيفية ذهاب الـ " أنا " العارف إلى الواقع ، إدراكه ، تفسيره و كشف قوانين حركته و احتياجات تقدمه هذا من جهة ، ومن جهة ثانية منهجية التعامل مع النص المكتوب .

على ضوء ذلك تندرج محاولتنا لقراءة العلمانية ، وفهم مضمونها و مقاصدها و غاياتها و مستقبل العمل بها ، هذه القراءة ، المستندة إلى ثلاثة معطيات أساسية :

الأول : التقدم المعرفي و المنهجي و العلمي ، الذي يعتبر مكتسبا إنسانيا ، علينا الاستفادة منه ،

          و محاولة إغنائه و دفعه إلى أقصاه الممكن تاريخيا .

ثانيا : تفردن المرحلة التاريخية التي يمر بها العالم بمرتسماته المختلفة ، التي دفعت بأغتراب  

        الإنسان و انخلاعه إلى حدود التشيوء ، وتحوله عبدا لوضعاته الخاصة ، وفقدان مصداقية

         كثير من الأوهام بالخلاص الأرضي المرتبط بالعلم و الرأسمالية و السوق .

ثالثا : الواقع في العالم العربي وما يعنيه من انسداد في الأفق في ظل مناخ الأزمة المعبر عنها     في حالة   الإرهاب المعمم و ارتهان الجميع للجميع . مع وعينا لما تشكله العلماني و الديمقراطية و احترام حقوق الإنسان ، من مدخل ضروري ، و إلى حد ما لا بديل عنه ، لوضع حد لكل

        أشكال الاستبداد و القهر و الإرهاب ،ووضع أسس وركائز معرفية و سياسية و اجتماعية

         للاعتراف المتبادل ، وحق الجميع في المساهمة بهذا القدر أو ذاك في صياغة مستقبل هذا

         الوطن .

 

وباعتقادي ، إن المقاضاة الأساسية في هذا الموضوع ، هي مقاضاة الفكر و الوعي ، قبل أية بداية ، لذلك تكتسب الساحة الثقافية أهمية قصوى / تشكل الآن الركيزة و الرافعة لما هو سياسي / اجتماعي ، و لكن عبر علاقة مركبة - معقدة تشاكلية تداخلية تخارجية ، أي الآن بمحدداته التاريخية ، تشكل الزحزحة المعرفية ركيزة و خلفية للزحزحة السياسية – الاجتماعية .

     و الزحزحة المعرفية ، هي بحد ذاتها إحالة إلى الصفر ، بتعبير إلياس مرقص ، هذا الصفر العظيم الذي هو انبساط ، و حامل اللانهاية ، أي أن الصفر ليس العدم ، العدم المعرفي ، بل هو انبساط النقد في سياق الفكر  عبر نقد ذاته و حقائقه المزعومة ، لأننا إذا لم نبدأ بأصنام اللغة و الفكر ، أصنام و آلهة الـ " أنا العارف " كأننا لم نبدأ ، و تنهدم بذلك كل الركائز المحتملة للحوار القائم على احترام حق و حرية الآخر ، و إعادة إنتاج الوعي الغارق تحت هاجس الماهية الجوهرية ، بإمانه المطلق بأن قوانين العقل هي نفشها قوانين الواقع ، فيفترض معها أن يبلغ هذا الوعي : النفس ، العالم ، الله ، و يتحول العالم عنده إلى عالم الماهيات و الجواهر ، و التناقض و الاختلاف الاجتماعي إلى صراع بين آلهة الخير و آلهة الشر ، فالجوهر الذي يحركه يبعده عن جذره الإنساني ، و يستغرق في أحد انتماءاته ( إسلاميا ، مسيحيا ، يهوديا ، ماركسيا ، قويا ، علمانيا ،............) ، و يضعه في معارضة ما يعتبره آخرون جوهرهم ، معتبرا سواه تجسيدا ملموسا للخطأ المطلق و الشر المطلق، الذي ينبغي حذفه و الابتعاد عنه بصورة نهائية .

ترتكز منظومة هذا الوعي على ثنائية ضدية حدية ، تميز بشكل حدي و قاطع بين الصح / الخطأ ، الخير / الشر ، المادي / الروحي ، المتعالي / المحسوس ، المشروع / غير المشروع ..... ، التي شكلت بدورها التحديدات الثنائية للانظمة اللاهوتية بتلاوينها المختلفة ( الدينية ، الماركسية ، القومية ، ....) ، مؤمن / كافر ، حلال / حرام ، طاهر / نجس ، وطني / خائن ، اشتراكي / برجوازي ، .....إلخ ، أي يؤكد ارتباطه بشدة و صرامة بمجموعة من المبادئ العقائدية ، بعد أن يضعها في خانة الصح و الخير و الحق ، ويرفض بنفس الشدة و الصرامة مجموعة أخرى يضعها في خانة الخطأ و الشر و الباطل ، فيعتبرها لاغية لا معنى لها ، فينسجم تأويله للواقع مع مبادئه الأساسية بقسره على طاعة حقائقه المزعومة ، وإذا ما امتلك أي سلطة ، يرهب الواقع و يبتره ، و يعذبه ، فلا يعترف بتغيره ، تنوعه ، اختلافه ، تعقده ، صدفه و عشوائيته ، أي كل الذي يشكل عاملا أساسيا في زحزحة صنمه الأيديولوجي و التشكيك به ، و الكشف عن استبداده " 1 " .

فتتغذى بذلك معارك النفي ( الحذف ) المطلق المتبادل ، بين الأفراد و الجماعات و الطوائف والأحزاب ، حيث تحسم قضايا الخلاف السياسي ، الفكري ، الأيديولوجي ، اللاهوتي ، بواسطة الإرهاب المدفوع أحيانا إلى حد شرعية الوجود .

هذه العلاقة التحاذفية ، تعبير موضوعي عن التعصب الأعمى للذات التي تتطرف في تحويل ذاتها إلى مطلق ، و تُكسب ما ينبثق عنها الصفة الاطلاقية و التقديسية ( كلماتها ، أفكارها ، حركاتها، شعاراتها، براغماتيتها ) ، و تفرض على الآخرين ، المُستطفلين ، الضالين ، الذين عليهم أن " يرتقوا " إلى سن الرشد المزعوم ، و طلب الغفران و الرجوع بعد الضياع ، إلى " فردوس " الواحدية المقدس و المخلص .

على هذه النهاجية الإيمانية يتمحور الوعي العربي السائد ، على اختلاف تلاوينه ، التي تجاوزت سمة النظريات و الأيديولوجيات ، و أصبحت عامل موجه في علائقنا الحياتية اليومية .

نعم : إن وثنية الروح ، تقيم شيئة المعرفة ، استبدادية الممارسة .

من هنا ، يكتسب الصفر بالمعنى المذكور سابقا ، أهميته و راهنيته ووجوبه ، ليشكل لحظة تمفصل ، بين زحزحة العقلية الحاذفة ، القائمة على الثنائية الضدية الاستبدادية ، و بين التأسيس لمشروع عقلنة الوعي العربي و دمقرطته ، عقلانية أكثر اقترابا من الواقع ، أي أكثر اعترافا بكل عناصر الواقع و مقوماته ، عقلانية أكثر انفتاحا ، تفتح المجال لاحتمال و إمكانية الخطأ و الصواب ، دعوة لقراءة جديدة للأشياء ، نحاول عبرها فهم الظاهرة بكل جوانبها و أبعادها ، و اكتناه الكائن بكل أنماطه و تجلياته ، و ذلك لتشكيل رؤية أكثر رحابة و معنى أكثر اتساعا ، و هوية أقل بساطة وتطابقا ، أي أكثر تركيبا و اختلافا ، ووحدة أقل حذفا و تهميشا و انشطارا ، إذن أكثر تعددا و تنوعا و تكاملا . " 2 "

لذلك نرى ضرورة الانطلاق من مبدأين أساسيين ، نرفع بهما لواء المفهوم – الفكر ، وإقامة الحد على شيئية و صنمية اللغة و الفكر ، هذا بمستوى ، و بالمستوى الآخر إقامة الحد على تحويل تضاريس الواقع و تبايناته ، ذاتيا ، ؟إلى سطح أملس قائم على الواحدية ، المعبرة عن " العقل لسليم " و " الخط المستقيم " .

المبدأ الأول : إعادة الكلمات إلى حقيقتها ، إلى و ظيفتها : فكر ، مفاهيم ، وهي رموز بدائل عن

   الفكر أو المفاهيم ،" فالعلامة اللغوية " حسب دي سوسير ، عبارة عن وحدة نفسية  مزدوجة يترابط فيها العنصران ( المفهوم و الصورة السمعية – التصور الذي تنقله لنا حواسنا للصوت أو الرمز المكتوب )  ارتباطا وثيقا ، أي أن العلامة اللغوية لا تحيل إلى الواقع الخارجي الموضوعي إحالة مباشرة ، و لكنها تحيل إلى  " التصورات " و " المفاهيم " الذهنية القارة في قلب وعي الجماعة – و في لا وعها – فمعنى ذلك أننا مع اللغة في قلب " الثقافي " ، فالعلاقة بين اللغة و العالم محكومة بأفق المفاهيم و التصورات الذهنية الثقافية " 3 " ، و بالتالي فالمفردة اللغوية ليست كائنا مفردا موجودا أمامنا ، بل " عكسه " إنها تعبر عن كلي ، عام ، عن فكر و معنى ، لذا للكلمة أكثر من معنى ومن اتجاه  من قصد ، المعنى المحدد يحدده سياق محدد ، و محكوم بعلاقة الكلمة مع كلمات ، و لنقل مع مقابلات أو معارضات ، فمعنى الكلمة لا يجتر مرّة واحدة و إلى الأبد ، بل إنها تخضع و باستمرار لضغط الزمان و المكان .

و تحتاج إلى التصويب المستمر من قبل الفاكرة ، عبر حوار خلاق و منفتح مع الواقع ، فتفقد بذلك الكلمة قدسيتها و ألوهيتها ، فتكف أن تكون العلمانية كلمة تحيل إلى الإلحاد و الزندقة ، و الدين يحيل إلى الشر و التخلف التاريخي ، و نتجاوز التضمين المسبق لهذه الكلمات الذي لعب دورا تجييشا يساهم في إدارة اللعنة المتبادلة، ودليلا على الشقاء المعرفي و المنهجي في الساحة الثقافية في المنطقة العربية ، بعد ذلك تأخذ هذه الكلمات المعنى المحدد ، بعلاقتها العضوية بالفضاء السوسيو – ثقافي التاريخي العربي ، فنلعب بذلك دورا في تبييء و تجوين المفاهيم التي تم نحتها في سياق تجربة أخرى ، و في إغناء المفهوم ليكون أكثر رحابة و انفتاحا أمام مساهمات التجارب المختلفة ، ليفقد المفهوم عنصريته الضيقة ، و يكتسب بعده الإنساني .

المبدأ الثاني : الاعتراف بالواقع كجملة ، ككل حي ، مجتمع و عالم و إنتاج و طبيعة و تاريخ ، قوامه الاختلاف و المغايرة و التنوع و التعدد و التغير و النفي المستمر ، و الفكر ، فكرنا إزاءه من أجل معرفته ، معرف الوجود – الاختلاف ، باعتبار أن الوجود بلا الاختلاف هو فكر و ليس سوى الفكر ، هوية كاملة مطلقة ، هوة الهوية .

في العمل ، الواقع يعارض الهدف ، المطلوب توقعن الهدف ، من هنا تأتي أهمية معرفة الواقع ، معرفته كجملة حية ، ككل متناقض ، كجمع يتضمن فكرة اللانهاية ، و هذه المعرفة لن يؤديها إلا الجدل : فكرة الجملة ، فكرة التناقض كمفهوم .

على عكس الوعي العربي السائد ، ذاتوي النزعة ، الذي تقوم عنده مقولة الجماعة ، الشعب ، الأمة ، الحزب ، .....كهوية نابذة للأفرادية ، و لاختلاف الأفراد الحقيقي ، للمغايرة و التعددية ، مخفضا الواقع إلى محض " موضوع " ، إلى مادة و " مادة أولية " يملك قوانين عملها ، وما عليه إلا أن يفرض إرادته و أهدافه على حساب الواقع ، أي منطقه و ذاتيته و حياته ، وهذا بحد ذاته حرب ضد الوجود ، الواقع ، ضد كل آخر ( سياسي ، أيديولوجي ، فلسفي ، لاهوتي ، قومي ، ....) فارضا اللون الواحد ، الرأي الواحد ، وهو موقف استبداد و إرهاب و عدم .

وعلى النقيض من هذا الموقف ، يشكل الاعتراف بالواقع جزءا أوليا و بسيطا في التصور العلماني و الديمقراطي للعالم و السياسة ، التي هي ميدان مصائر الناس مع التاريخ ، الذي هو احترام للواقع ، للمجتمع ، للناس ، لفهم الناس و عقلهم و مذاهبهم .

 

على أرضية ما سبق ، يمكن أن نكوّن أرضية لفتح الحوار و الانخراط في عملية تستحق أن تسمى الجهاد الأكبر ( النفس و المعرفة ) ، متجاوزين اطلاقيات مقولاتنا و قدسيتها و قدرتها التعبوية و التجييشية ، عدا ذلك تنقطع كل أشكال الحوار ، وتتعمق الخنادق التتولوجية ، و تنكفئ الذات داخل سياجها الدوغمائي ، فلا " ترى " سوى داخل بطنها مصدرا للحق و الحقيقة ، وبالتالي لا يكون لوجهة النظر المختلفة أية أهمية تذكر .

وعليه ، أدعي ، أن الانخراط في عملية الجهاد الأكبر ( جهاد النفس و المعرفة ) تشكل مدخلا ضروريا لا بد منه للخوض في موضوع العلمانية ، الذي لا يكتسب أهمية نظرية فحسب بل أيضا حياتيه و معاشية . 

 

لماذا من أجل علمانية أكثر انفتاحا ؟

    يضمر هذا التساؤل كثيرا من النقاط ، أبرزها : أن هناك علمانية أو بالأصح فهما ما للعلمانية فقد مصداقيته نظريا و واقعيا و تاريخيا ، على الأقل هكذا أرى ، عبر تزمته و انغلاقه ، لحذفه كثير من أبعاد الإنسان ( الروح ، العاطفة ، الخيال ، التقديس ...) بالاضافة لعدم استيعابه لكثير من الأحداث التاريخية الأخيرة ، فتحول إلى خلفية أساسية في إدارة عجلة الإرهاب و الديكتاتورية ، بالرغم من بناء شرعيته تاريخيا بنضاله ضد إرهاب و فساد رجال الكنيسة ووعودهم الخلاصية.

كما يؤكد هذا التساؤل ، على الأزمة العالمية التي تعاش بربريا ، كما أوصلت البشرية إلى  "إكتشاف " وهمها الذاتي ، بإنجازها المعركة الأخيرة تحت لواء " العلم و " العقل " .

وتأخذ هذه الأزمة مظاهر أكثر قبحا في العالم العربي ، ويمكن أن نعبر عنها تكثيفا : ضحالة و فقر في الثقافة ، وثنية في الروح ، فساد و تذرر و إرهاب في المجتمع ، استبداد و لا عقلانية في السياسة ، تبعية و ارتهان للخارج في الاقتصاد .

بالإضافة إلى هذه النقاط ، يدعو التساؤل ، دعوة صريحة لفهم  أكثر انفتاحا ، أكثر جذرية ، أكثر واقعية ، أكثر قربا من الإنسان التاريخي ،  أكثر واقعية ، يكتسب هذا الفهم راهنيه من راهنيه الأزمة و تعمقها و اتساعها و شمولها .

*          *          *

      تدخل المسيحية ظافرة إلى العالم الهلنستي – اللاتيني ، وتنتشر في مناطق شمال المتوسط بنشاط روحي مكثف ، رغم كل أشكال الاضطهاد الذي تعرض له الداعين لها ، في القرنين الثاني و الثالث الميلاديين تتحول الكنيسة لاحتفاظها بممارسة اللغة اللاتينية في الصلاة ، واهتمامها بالقواعد و الأدب اللاتيني ، إلى أكبر قوة خلاقة في ثقافة العالم الروماني ، و إلى مركز للحضارة الجديدة بين القبائل البربرية ، ويبلغ الإنجاز الثقافي وجه في أواسط القرن الثالث في عهد كليمنت و أوريجين في الشرق ، و ترتليان و سبريان في الغرب ، عصر نشوء و تطور حياة الرهبنة و التجرد ، عصر أثناسيوس و باسيليوس ، و غريغواري الترينزي ، غريغوري النيسي ، امبروزي ، هيروئيم و أغسطين ، و الذهبي الفم ، عصر العماة و الفن المسيحيين ، الأدب و الفلسفة التي كانت محاولة لتفسير الكون من وجهة نظر المسيحية .

في نهاية القرن الثالث ، يدخل المسيحيون في المعادلة السياسية و العسكرية و الاقتصادية ، فيتم التزاوج بين الامبراطرية الرومانية و الكنيسة في عهد قسطنطين ، فتدخل الكنيسة مرحلة جديدة ، تلعب فيه دور " الدولة " و يتحول البابا إلى إمبراطور فوق الإمبراطور ، فتزداد قوة و بطشا ، من خلال ضبطها لحياة الناس في كل لحظة ، حتى طالت قوانينها التصرفات اليومية للناس العاديين ، لتشكل محاكم التفتيش عنوانها الأبرز ، " تقتل " أي محاولة ابداعية تزحزح ركائزها الأساسية ، من فلسفية و لاهوتية و علمية ...، مؤسسة لتصور مرعب للدين يقتل في الإنسان حس المبادرة و الحركة ، و يدعوه للاستكانة و الاستسلام و رفض الانخراط في العالم .

أي أن لمسار الكنيسة أكثر من وجه ، من اتجاه ، رغم محاكم التفتيش كانت الخلفية و الركيزة الثقافية و الروحية ، للنهضة الأوروبية و الانعطاف الأوروبي ، فبدايات النهضة لم تكن خارج الكنيسة ، التي كانت بحد ذاتها  بدايات تراجع هيمنتها ، توما الاكويني ، كالفن و تمجيد العمل ، مارتن لوثر و تحطيم وحدة أوروبا الدينية و تقوية الشعور الديني ، زوينغلي ، إراسموس و الطباعة ، كوبر نيكوس ، فرانسيس بيكون و تقديم التجربة على جدلية القياس المدرسي ، غاليلو ، كبلر ، سبينوزا و الكتب المقدسة و كل تعيين هو نفي ، ديكارت " أنا أشك ، أنا أفكر ، أنا موجود " ، هوبس ، هنري الثامن و الكنيسة الوطنية الإنكليزية ، جون لوك ، الديمقراطية و التسامح الديني ، نيوتن ، جيمس واط و جورج ستيفنسون و تطور الإنتاج ووسائل النقل ، آدم سميث و العمل المجرد ، مونتسيكو ، جان جاك روسو ، فولتير ، كانط ، كوندورست ، روبسبير و الثورة الفرنسية ، دافيد هيوم ، نيتشة ، غوته ، بلزاك ، هيغل ، ماركس ، داروين ، كونت .....إلخ .

وبسبب من موقع الكنيسة المحوري ، كان من أهم أهداف الثورة البرجوازية من القرون الوسيطة إلى نهاية القرن الثامن عشر ، الكفاح ضد الكنيسة و حتى ضد الدين و المتدينين ، أخذ هذا الكفاح أشكال مدمرة و ظلامية ، فراحت دولتها الوليدة ، تحذف الجانب الثقافي و الروحي في الدين ، مثلما تقضي على الجانب المذهبي أو الدوغمائي المغلق أو السلطوي ، مدعية أنها تخلص البشرية ، بهذا العمل ، من كل أسباب الشر و الفساد و الاضطهاد ، إلا أن التاريخ يعيد الانطلاق في العواصف ، مع المقصلة و الانتفاضات و استعمار الشعوب و الحروب المتجددة .

في مناخ هذا المسار المعقد الآخذ شكل العلاقة الزورية الابادية " حياتك هي موتي ، وحياتي هي موتك " ، تبلورت تدريجيا التجربة العلمانية الأوروبية ، حتى أخذت شكلها الأكثر تزمتا في القرن التاسع عشر ، باندراجها في النظرة الوضعية أو الوضعوية التي فرضت نفسها كدين جديد لا يناقش و لا يمس ، رامية كل التراثات الدينية و مصدرها ( الوحي ) في دائرة القديم و المستهلك ، على أنها تنتمي إلى مرحلة الطفولة في تاريخ التطور البشري ، وما على البشرية لكي تعبر عن " نضجها " و " رشدها " ، أن تحذف هذا التراث و هذا البعد و تنتقل إلى الحالة الوضعية الإيجابية العلمية ، التي حملت معها وعدا نقيضا للدين التقليدي ، بالخلاص الأرضي ، الذي يتحقق بواسطة العلم الذي سيحل المسائل الأساسية للإنسانية .

هذا الانتقال ، المبني على الإقصاء الحاد و الحامي ، لم يحصل بشكل حدي و فوري ، و إنما كان نتيجة سيرورة تاريخية طويلة و معقدة ، كان الفصل فيها نتيجة لعملية جراحية صعبة جدا ، طالت كل مساحات الواقع –النفسية ( البسيكولوجية ) المعرفية ، السياسية ، الروحية ، القانونية .....إلخ .

 

     الإنسان / حياة ، " الإنسان السياسي " ( الاجتماعي ) بمعنى أرسطو ، يتراجع أمام الفرد المعزول في الجمهور الكتلة ، أمام الإنسان / التقني العلمي ، بسبب من اغتراب الإنسان و تشيؤيه ، متحولا و عمله إلى سلعة تباع و تشترى ، تراجعا يقيم قاعدة كبيرة لقهر شمولي ، فالحضارة الرأسمالية المعممة تكشف عن بربريتها المتوحشة ، التي تأخذ أشكالا متباينة بالنسبة لشعوب المعمورة ، منفلته من جذرورها الإنسية و التنويرية ، معرية الإنسان من قيمه الإنسية المكتسبة تاريخيا ، كاشفا عن ذئبية متفردة ، مهددة الإنسان و الطبيعة بالانتحار و الفناء ، وهذا ما عبر عنه و بشكل ملفت رينيه هويغ في كتابه المشترك مع ديزاكوايليدا " إن الأزمة التي تهدد البشرية اليوم ليس مصدرها الخارج ، إن المنزل الذي نعيش فيه ليس مهددا بإعصار ظاهر في الأفق ، و إنما يهدده شاغلوه – البشر ، المتنافسون في سياق الكسب – الذي يتخاصمون على أثاثه ، ويقتلعون سقوفه و أخشاب أرضيته و ينخرون ركائزه ، فيهددونه بالانهيار " ( 4 ) ،

و لما لا طالما الفلسفة الذرائعية و الوظائفية تقبع خلف الممارسة السياسية ، و التي تعني بالوجه الآخر تلوع الضمير و الأخلاق ، حيث تشكل المردودية الاقتصادية و الربح المادي محور علاقاتها ، دون أي اكتراث بالآخرين ، الأفراد أو الشعوب الأخرى ، التي تئن تحت وطأة الجوع و الحرمان و الفقر ، أي ، بمعنى آخر ، إن هذه العقلية السائدة الآن في الغرب الرأسمالي و بعلاقتها مع و حدانية السوق ، لم تحذف فقط الغائية الآخروية للأديان ، و إنما حذفت أيضا كل غائية اخلاقية وروحية ، بعد أن أنتجت آلهة و أوثان جدد ، المال ، السلطة ، " الفرد" ، " العلم" ، " العقل" .....إلخ ، و هنا تأخذ مقولة ماركس حقها و استخقاقها ، عندما يتحول المال إلى إله تتحول كل آلهة البشر إلى سلعة .

 

الآن ، ونحن في بداية الألفية الثالثة ، قضية و معضلة " المجتمع الإنساني " أصبحت راهنة  وكلي و كوني ، فثمة كلية قهر و جدلية قهر ، تنهار فيه وعود الأنوار و عام ( 1789) بالخلاص الأرضي و الفردوس المفقود على الأرض ، كما ينهار الوهم الذاتي بقدرة العلم و الأيديولوجية العلموية على حذف كثير من أبعاد الإنسان ( الروحي ، التقديسي ...) علميا ، بعد أن ساهمت في اختزال الإنسان إلى جسد ، قائم على بعدين وحيدين ، الإنسان / منتجا بالمعنى الضيق للكلمة ، و مستهلكا .

فيواجهنا التاريخ بحقيقة يجب وعيها على الدوام ، ليس هناك معركة أخيرة تم خوضها أو سيتم خوضها ، ليس هناك نهاية له ، مؤكدا أيضا ، أن الكائن له عقله و مكره ، و قوام الواقع ليس مكر البشر مهما مكروا ، و ثأره : الموضوعي يغلب الذاتي ، يؤكد و يحد و همه .

وبالتالي ليس عبثا ، أن كثير من المظاهر الاجتماعية تعود لتفرض نفسها واقعيا على نظر المهتمين و الدارسين ، فتاريخ البشر ليس خطا مستقيما ، بل إنه اعقد بكثير ، وهذا التعقد لا ينفي بالضرورة الخط .

وهذا ما ينطبق ، تماما ، عل ظاهرة التقديس (Lesacre  ) أي حاجة الإنسان إلى التقديس ، و الانفتاح على التسامي ، التي تنتمي إلى التراث الجيني و الثقافي للنوع ، و التي تم إغفالها ووضعها جانبا ، على أساس إمكانية الإنسان " العلمي " على القطع مع هذا الإثم العلمي ، نراه ينبثق الآن أمامنا ، في الغرب و العالم أمتداده ، على أرضية الشدة الواقعية ، مع ضروب من الفوضى و الاضطراب و التهديد بالإرهاب .

 

 

 

التاريخ ، وباستمرار ، يفرز أسئلته التاريخية ، ركيزة جدل الإجابة و النتيجة ، إلا أن الإجابات تنتمي إلى دائرة الذاتي ( فرد ، حزب ، أمه .......) ، و النتائج تنتمي إلى دائرة الموضوعي ، ذات الموضوع ، لتؤكد بالتالي حدود الإجابة و نقصها و مرحليتها ، فالإجابة ليس عابرة للزمان و المكان .

 

     لن أتعرض ، في هذا البحث لتاريخ العلاقة المباشرة و غير المباشرة بين الغرب و العالم العربي ، و ما أثارته من ردود في محاولة الإجابة على السؤال المقلق ، لماذا تقدم الغرب و تخلف المسلمون ؟ ، و العلمانية ليست خارج مضمار هذا التساؤل ، وهنا تندرج محاولة شبلي شميل و الكواكبي و الطهطاوي و الأفغاني و عبدو و المسار طويل ، إلا أنني يمكن أن أتكلم عن الخطوط العريضة في كيفية تعامل الوعي العربي السائد مع هذه القضية ، وكتابات كثير من الباحثين و المفكرين ليست خارج هذا الوعي ، بل يمكن أن تكون أكثر ارتكاسا و شقاء .

فمن موقع الإتكالية و الاستلاب المنهجي / المعرفي ، كنا ندعي تاريخيا ، بأن التطور الأوروبي قد أجاب على كثير من الأسئلة التي أفرزها التاريخ ، إجابة شافية ووافية ، ومنها بالطبع موضوعة العلمانية ، هذه الإجابة التي شكلت مرجعية للوعي العربي السائد ، بتياراته العريضة ، على أهمية التياينات في خلفيلتها الأيديولوجية – السياسية ، فمنها من تبناها جملة و تفصيلا ، و ما على الشعوب الأخرى ، سوى تطبيق الوصفة الأوروبية لتدخل " ملكوت السموات و الأرض " ، ومنها من تعامل معها باللامبالاة ، كونها تمثل ترفا برجوازيا نزقا ، وتشكل مرحلة تاريخية غابرة ، لذلك لم تدنس وعيها بالتعرض لها ، لأنها تمارس مهام تاريخية مهمة و هي على عتبة الفردوس الاشتراكي ، أما التيار الآخر فقد رفضها جملة و تفصيلا ، فهي من نتاج الغرب الصليبي و الرأسمالي الغازي ، فتوجه إلى بطن الذات ، باحثا و نابشا قبورها ، ليبعث فيها الحياة ، ففيها ما يفي بالغرض ، و إذا ما دعت الحاجه ، يقوم بتغليف المعايير و العلوم و المعارف و المفاهيم بمخلفات بطن الذات ، ليؤكد ، وبوهم ذاتي ، على أن الـ " أنا " النقي و الصافي ، غير " مدنس " بالآخر و ملوثاته .

هذا الاستلاب و الشقاء المنهجي / الأيديولوجي ، أسس موضوعيا لعلاقات الحذف المتبادل ( نفسي ، فكري ، سياسي ، ....) و أعاد إنتاج العلاقات ما قبل المدنية ، " لأن كثيرا من العداء في مجال الفكر بصفة خاصة يرتد إلى " عدم الفهم " أو إلى عمليات " التباس " ناتجة عن سيطرة نزعة تتصور أن " ما في الأذهان مطابق مطابقة تامة لما في الأعيان " وتزيد درجة الالتباس " و ما تفضي إليه من عدم الفهم و ما يترتب عليها من عداء و رفض ، حين يكون " ما في الأذهان قديم و راسخ ، لأنه يكتسب من القدم صفة العراقة التي تفضي عليه المشروعية التي لا يجوز المساس بها أو الاقتراب منها ، لأنها مشروعية مقدسة " ( 5 ) ، فتحت مقولات الحاكمية لله و الاشتراكية ، الطبقة ، الوحدة ، القومية ، العلمانية .... ، يكفر و يخون كل آخر ، إلا إذا كف عن أن يكون آخرا مختلفا ، ليسود بذلك مناخ دائرة العنف ، باسم هذا المقدس الديني الطائفي القومي الماركسي العلماني العشائري ... ، الذي يشكل إحدى بؤر الاستنزاف الاجتماعي الأكثر التهابا في الجسم العربي .

وهذا يرسم لنا ، إلى حد ما ، الملامح المأساوية التي تميز الواقع ا