ثامر
قرقوط
ضاق صدر المواطن من الارتفاع المستمر في معدل النمو، فكلما ارتفع معدل
النمو
درجة واحدة حلَّ ما لا يُرغب فيه، وصُدم المواطن بإجراء ما يثقل كاهله
ويعرقل رغبته
العارمة في تحسين مستواه المعيشي.
ويبدو أن التدهور أصبح سمة ملازمة لتدني القدرة الشرائية للمواطن بليراته
السورية. فالتضخم الذي تتكلم عليه وعن نسبه الحقيقية المرجعيات
الاقتصادية والمالية
الحكومية وتحاول التخفيض من مستواه عبر التصريحات يرخي بثقله مباشرة على
الضعفاء
اقتصادياً وذوي الدخل المحدود والذين عملهم غير الدائم يؤمن لهم كفاف
يومهم فقط.
ويبدو الواقع أصدق من أية مؤشرات أخرى ـ رغم أهميتها وضرورتها ـ هذا
الواقع
يعري نسب النمو، ويحدد الانخفاض في المستوى المعيشي، ويعبر بصدق عن أن
ارتفاع
الإنفاق لم يأت نتيجة طبيعية وحتمية لزيادة الدخول، بل كان لردم الفجوة
بين الأسعار
التصاعدية والغلاء الفاحش من جهة، وضيق ذات اليد والدخول المنخفضة من جهة
ثانية.
تشير المصادر الحكومية أن إنفاق المواطن ازداد بشكل ملحوظ من ألف دولار
في
السنة عام 2000 إلى 1500 دولار في العامين الماضيين. وهذا ـ برأي النائب
الاقتصادي
ـ أدى إلى تحسين المستوى المعيشي للمواطنين. وعلى الجانب الآخر يتكئ
الفريق
الاقتصادي الحكومي على مؤشر لم يخطر ببال المفكرين الاقتصاديين، وهو
تحديد مستوى
الدخول بناء على الإنفاق.
والفرق الذي يثير شهية الأسئلة بين مستوى الدخول
والإنفاق كبير جداً، فإذا كان مسح نفقات الأسرة السورية الصادرة قبل
أعوام قليلة
ماضية أفاد أن متوسط إنفاق الأسرة السورية نحو 20 ألف ليرة فإن السؤال:
من أين يؤمن
أفراد الأسرة ومعيلوها تلك المبالغ؟ ما زال صالحاً الآن، وإن بصيغة أخرى
وهي: كيف
تردم الأسرة السورية الفجوة المتسعة بين معدلات الدخل ومستوى الإنفاق
الذي يقارب
الـ 40 ألف ليرة شهرياً؟
يرمي النائب الاقتصادي الكرة في مرمى الحيازات
الزراعية أو العقارات التي يملكها بعض المواطنين، أو من خلال العمل
الثاني غير
المصرح عنه. إضافة إلى أن معظم الأسر تصلها تحويلات مالية من المغتربين.
هذه
المصادر تؤمن دخولاً إضافية للأسر غير ملحوظة في احتساب معدل الدخل،
لكنها تلحظ في
تبرير معدلات الإنفاق المرتفعة، خاصة الإنفاق المتجه صوب القطاعات
الخدمية (هواتف
نقالة، مطاعم، سياحة، سيارات،..إلخ) وغيرها من مظاهر الرفاهية التي ينعم
بها
المواطن المرتفع الدخل ويفتقر إليها المواطن ذو الدخل المنخفض.
ليس غريباً أن
تكون الأرقام المتعلقة بمستويات الدخل والإنفاق التي تصدرها الجهات
الرسمية ويعبر
عنها المسؤولون الاقتصاديون بأرقام براقة وذهبية، إذ أدخل إليها اقتصاد
الظل الذي
كان وما زال اقتصاداً لمراكمة الثروات من جهة، ويعيش على هامشه ملايين
المواطنين
الذين يصلهم منه الفتات.
تلك الأرقام تأخذ في طريقها الجميع وتقيس بالمسطرة
ذاتها عليهم دون التفريق بين ما ينفقه أصحاب الدخول المرتفعة مقارنة
بإنفاق أصحاب
الدخول المنخفضة، ودليل ذلك اعتراف الحكومة نفسها بالفقر ومعدلاته
ومستوياته رغم
الإشكالية الخلافية والجدل حول تحديد خطر الفقر.
بالتأكيد إن المؤسسات
الإحصائية، والمسؤولين الاقتصاديين، معنيون بالمؤشرات الاقتصادية الكلية،
ويخططون
على أساسها، ولذلك عندما يرتفع معدل النمو من صفر بالمئة عام 2000 (وكان
سلبياً قبل
ذلك)، إلى 6.2% وفق التقديرات الأولية لعام 2007 فإن علامات الرضا سترتسم
على وجوه
المسؤولين الاقتصاديين، وتلوح في الأفق نظرياً نتائج أعمالهم وثمار
جهودهم. لكن على
الضفة الثانية، ونقصد بذلك المواطن، ثمة ما هو عكس المتوقع ويخالف
المشتهى؟
يغلب على أرقام معدلات النمو الطابع التفاؤلي، لكنها أرقام جافة ما دامت
لم
تنعكس على حياة المواطنين ولم يشعر بها المواطن، بل ظلت أرقاماً تتداولها
الجهات
الرسمية في تقاريرها ويستند إليها راسمو الخطط التنموية. وهذا ما يجعل
الفجوة بين
معدل النمو ومستوى الحياة المعيشية تتسع إلى حد يغدو ردمها يحتاج إلى عمل
تنموي
حقيقي يجعل المواطن يشعر فعلاً بارتفاع معدلات النمو وانعكاسها الإيجابي
على حياته
المعيشية. أما أن تبقى المعدلات ترتفع تلقائياً فهذا ما يشبه الحمل
الكاذب. من
الضروري أن يشعر المواطن بارتفاع معدلات النمو، فعندما يتعافى الاقتصاد
الوطني
ويتخلص من تدني معدلات نموه فمن الطبيعي أن يشعر المواطن بذلك، وإلا فما
الفرق بين
معدل نمو مرتفع وآخر منخفض؟!
بالتأكيد إن معدل نمو يصل إلى تخوم الـ 7% بالنسبة
للاقتصاد السوري هو معدل نمو مرتفع مقارنة مع السنوات السابقة. لكننا
نحتاج إلى ضعف
هذا الرقم على الأقل حتى يشعر المواطن بأن معدل النمو قد ارتفع ارتفاعاً
حقيقياً،
وإلا فستبقى معدلات النمو أرقاماً جافة لا يوليها المواطن أية أهمية، ما
دام
انعكاسها الإيجابي على حياته ما زال مفتقداً. وتلك هي المعضلة: معدل نمو
مرتفع
ومستوى معيشي منخفض، فأين ذهب معدل النمو إذاً؟
النور- 325 (16/1/2008)