] ماذا عن "جرائم الشرف" المخفية؟ [     

          

 

سهى أبو شقر

مسألة تستدعي التفكير فيها عند البحث في قضية " جرائم الشرف"، وتحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد الإعلان عن جرائم قتل الفتيات التي تتكرر في مجاهل وطننا العربي الممتد من المحيط إلى الخليج. وأجد أن من الضروري التركيز على ناحيتين أساسيتان في مناهضة جرائم الشرف.

 الأولى تقتضي الكشف عن الفتيات اللواتي يقتلن بتستر وبأشكال مخفية لا تراق فيها الدماء ولا يجاهر فيها القاتل بفعلته، وتحصل في مجتمعاتنا بداعي" حفظ الشرف"، والثانية ضرورة إطلاع المجتمع بالكامل،خصوصا النساء، على الخطوات التي تخطوها الأجهزة التشريعية والتنفيذية والمتعلقة بتعديل وتطوير القوانين التي تغلِّظ العقوبة على مرتكبي جريمة الشرف، وأي قوانين أخرى ذات الصلة.

فما نسمع عنه وتكتب عنه الصحف ويعتمد على أرقامه الباحثون يقتصر عموما على تلك الجرائم المكشوفة والتي يتباهى القاتل " حامي الشرف " بارتكابها. فقد يكون من المفيد للقاتل أحيانا التشهير بجريمته والمساهمة في الإخبار عن قصته، فهو الراغب في استعراض بطولته، وأتخيله يحتفظ بقصاصة الجريدة التي نشرت الخبر لكي يرفقها بسيرته الذاتية، إذا قرر يوما ما البحث عن عمل بعد تخرجه من السجن بمرتبة " الشريف"و الذي لا يؤويه إلا لمدة قصيرة جدا.

فهناك العديد من القصص عن فتيات لم يطلع عليهن نور الصباح، وتسمع القرية أو سكان الحي أن الصبية فلانة أصيبت بذبحة قلبية أو بتسمم أو ما شابه أدى إلى وفاتها. جميع من في القرية أو في الحي يعرفون جيدا عن الخلاف بين الفتاة وأسرتها لأنها تحب شابا من غير دينها، أو أنها تلتقي سرا بمن يريد أن يتزوجها، وأن الخلاف وصل قبل قرار الأسرة بقتلها إلى حدود حبسها في البيت ومنعها من الخروج لفترات تطول أو تقصر.
 
وفجأة ينتشر خبر وفاة الفتاة، العائلة تؤكد أن الوفاة طبيعية ولكن الجيران والأقارب والمعارف لا يصدقون،ولكنهم لا يستطيعون التدخل وإعلان شكهم. البعض لا يبالي بالأمر، والبعض الآخر يفضل الانسحاب والسكوت، والكثيرين لا يعرفون إذا كان القانون يتيح لهم المجال للإعراب عن شكهم وطلب التحقق من هذا الشك.

وماذا عن بعض الأطباء الشرعيين الذين يعطون شهادة وفاة في مثل تلك الحالات؟ هل يمكن لهؤلاء أيضا أن يسكتوا عن الحقيقة و" يلفلفوا " الموضوع، لأن الأسرة تريد ال" السترة" منعا للفضيحة؟

 إن قدرة مجتمعاتنا الهائلة وشطارتها الفائقة في " لفلفة " القضايا على أنواعها من الخطير جدا إلى القليل الأهمية، يخبرنا بل يجعلنا أقرب إلى اليقين بأن كل شيء جائز، فلماذا سيكون الطب الشرعي نزيها في مجتمعات تعج بالفساد.

فمن يتحمل مسؤولية موت الفتيات بتلك الطرق الغامضة والمخفية ؟ وكيف يمكن تحديدها وإحصائها؟ إن ملف جرائم الشرف شائك وفيه الكثير من " القطب المخفية" التي قد يساهم كشفها في تطوير العمل البحثي والقانوني والإعلامي، ويمنح القوة للناس لكي يتسلحوا بالمعرفة والوعي ليواجهوا ويعترضوا بصوت عال.

إن ما سبق يؤدي بنا إلى المسألة الثانية والتي تشكل بدورها ركيزة لما تحتاجه الفتيات المعذبات والراضخات للجلاد بحكم الظروف والأمر الواقع.

هذه الركيزة تقتضي الدفع باتجاه تغيير القوانين بكل الوسائل المتاحة، وتكثيف الحملات بشأنها، وأن لا يقتصر هذا النوع من التحركات على فئة المحامين والمشرعين فقط. فنحن النساء يهمنا أن نعرف كل التطورات في النواحي القانونية وأين وصلت متابعاتها، وتحديدا أين توفقت، ومن يعرقلها؟

إن الإعلان عن قاتل أخته أو أمه أو إبنة عمه يفيد من الناحية الإحصائية، ويقوي درجة التعاطف مع الضحية، ويحرك وسائل الإعلام التي تسكت عن جرائم الشرف إلى حين وقوع جريمة جديدة.

لكن الذي يهمنا أكثر هو التشهير بصاحب القرار الذي يمنع تمرير أي تعديل قانوني مقترح يغلظ العقوبة على مرتكب جريمة الشرف، والتشهير بالنائب والوزير والمسؤول الذي يماطل في دفع وتسيير الأمور المتعلقة بتعديل القوانين وتطويرها وإيصالها إلى سكتها الصحيحة التي تنصر حق النساء وتحميهن من القتل الذي بات مجانيا، والذي تصاحبه اللعنات والإهانات التي تلحق بالقتيلة وبنساء عائلتها " إلى ولد الولد".

وحده القانون يمكن أن يردع القبيلة والعشيرة والعائلة عن حماية أحد أفرادها من مرتكبي جرائم الشرف، بل يجعلهم يحسبون ألف حساب قبل ارتكاب الجريمة، كما يضيِّق إمكانية هروب القاتل من العقاب.

النساء تردن المزيد من المعرفة ليس عن دور القانون في حمايتها في حال إقراره، ولكن يهمها أن تعرف أيضا إذا كان هناك من تشريعات يتم التحضير لها لخدمة القضية في بلداننا العربية؟ ما هي هذه المواد؟ كيف يمكن أن نشرحها للنساء بشكل مبسط؟ أين أصبح العمل عليها ؟ وما العقبات التي تقف أمام إقرارها واعتمادها، إضافة إلى التشهير بالشخصيات والمسؤولين عن أية عراقيل تحول دون ذلك.

الجميع يتحدث عن الشفافية بالسياسة والاقتصاد فلماذا لا نطالب بالشفافية في العمل القانوني التشريعي، من يقف حجر عثرة في طريقه؟

وطالما ظلت مؤسسات الأمر الواقع متحكمة، في غياب القوانين المنصفة والرادعة، ستبقى الحملات مستمرة لسنوات وسنوات من دون نتائج ومن دون تغيير.

 

موقع نساء سو ريا

 

الصفحة الرئيسية