تقول
العبارة الافتتاحية من ميثاق الأمم المتحدة"نحن شعوب الأمم المتحدة.."،
في أوضح بيان ممكن عن أن الأمم المتحدة لا تخص الدول وحدها، وأنها جزء من
التراث المشترك للبشرية جمعاء. إنها تخص كل إنسان منا، وهي لكل واحد منا
مؤسسة فريدة وآلية تربط بيننا جميعا في جهودنا من أجل بناء عالم أفضل.
إنها تعبير عن إيمان الإنسان وثقته في المستقبل. إننا نعيش في حقبة لم
تعد فيها الدول تسيطر
وحدها على الشؤون الدولية. فثمة جهات أخرى تشاركها في ذلك، المنظمات غير
الحكومية والبرلمانات الوطنية والشركات الخاصة ووسائل الإعلام والجامعات
والمثقفون والفنانون
وكل
امرأة ورجل يعتبر نفسه أو تعتبر نفسها جزءا من الأسرة البشرية العظمى.
1-
المنظمات غير الحكومية:
مجموعات طوعيه لا تستهدف الربح ينظمها مواطنون على أساس محلي أو قطري أو
دولي. ويتمحور عملها حول مهام معينة ويقودها
أشخاص ذوو اهتمامات مشتركة، وهي تؤدي طائفة متنوعة من الخدمات والوظائف
الإنسانية,وتظهر للحكومات مختلف مشاكل وحاجات المواطنين، وترصد السياسات
العامة وتشجع المشاركة السياسية على المستوى المجتمعي. وهي توفر
التحليلات والخبرات وتعمل بمثابة آليات للإنذار المبكر,فضلا عن مساعدتها
في رصد وتنفيذ القوانين المحلية المتناسبة مع الاتفاقات الدولية. ويتمحور
عمل بعض هذه المنظمات حول مسائل محددة من قبيل حقوق الإنسان أو البيئة أو
الصحة أو المرأة أو الطفل.... وتختلف علاقاتها بالهيئات والمؤسسات
الدولية والإقليمية ومنها التابعة لمنظومة الأمم المتحدة,وذلك باختلاف
أهدافها ومكانها .
2-
تعمل المنظمات غير الحكومية على:
نشر
المعلومات والأهداف المتعلقة بالمنظمات غير الحكومية، على نحو يعزز معارف
القواعد الشعبية بأنشطة المنظمات ويدعمها. وخصوصا التي تتعلق بالسلام
والأمن والاقتصاد والتنمية الاجتماعية وحقوق الإنسان والشؤون الإنسانية
عموما.وتركيز الانتباه على القضايا الهامة التي تواجه المواطنين,وأيضا
البشرية جمعاء.
3-
إن المعايير اللازمة لوجود ونشاط المنظمات غير الحكومية:
أ-أن
تعتمد مجوعة من الأهداف والقيم منصوص عليها في ميثاقها,وتتعلق مباشرة
بقضايا المواطنين.
ب-أن
يقتصر عملها على أساس غير ربحي.
ج-أن
يكون لديها قدرة بينة على الوصول إلى أوساط عريضة أو متخصصة، من قبيل
الأوساط التربوية ووسائل
الإعلام ومراكز صنع السياسات وأوساط الأعمال.
د-أن
يكون لديها الالتزام والقدرة على إدارة برامج محلية فعالة,تتعلق بأنشطة
مختلفة عن طريق نشر رسائل إخبارية ونشرات إعلامية وكراسات، فضلا عن تنظيم
المؤتمرات وحلقات العمل والموائد المستديرة، وحشد تعاون
وسائل الإعلام.
وتقديم المساعدات في أوقات الكوارث والحروب.
4-
مسؤوليات المنظمات غير الحكومية
تقدم
المنظمات غير الحكومية(خصوصا الأهلية منها) مساهمات قيمة للمجتمع
بتوجيهها الانتباه إلى قضايا ومشاكل المواطنين,واقتراحها أفكارا وبرامج
ونشرها معلومات وحشدها الرأي العام دعما لهكذا نماذج من المنظمات
وبرامجها. ويتوقع من المنظمات غير الحكومية المرتبطة بحقوق الإنسان أن
تكرس الجزء الأعظم من برامجها,لترويج المعارف والثقافة بمبادئ حقوق
الإنسان . فضلا عن ذلك، يتوقع منها أن تبقي الإعلام على إطلاع على
أنشطتها بتزويده بعينات منتظمة من موادها الإعلامية المتصلة بعملها
وأنشطتها.وإقرارا بالدور الذي تؤديه المنظمات غير الحكومية بوصفها جهات
فاعلة هامة في الميدان الدولي على عتبة القرن الحادي والعشرين، لاحظ
الأمين العام كوفي
عنان
أنه من الواجب "… أن نقيم شراكة جديدة مع المجتمع المدني. وأن نتوصل إلى
موالفة جديدة بين المبادرات الخاصة والصالح العام، على نحو يشجع النشاط
التجاري ونهج السوق مع الحفاظ على المسؤولية الاجتماعية والبيئية
5-
ازدياد المنظمات غير الحكومية :
احدى
ظواهر المجتمع المدني الحديث يكثر الحديث عن أهمية الأدوار التي تلعبها
المنظمات
غير
الحكومية في عالمنا اليوم، على المستويين الوطني والإقليمي والدولي،
فالمنظمات غير
الحكومية
(Non-Governmental Organisation)
أو
NGO
بدأت
تظهر بصورة أكثر تأثيراً على
المسرح الدولي. وقد اضطرت منظمة الأمم المتحدة (وهي منظمة بين الحكومات)
السماح
للمنظمات غير الحكومية في المشاركة في النقاشات والمداولات والمؤتمرات
التابعة
للمجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة. وقد ظهرت قوة هذه المنظمات
غير الحكومية في العام 1993 عندما وازت نشاطاتها أنشطة الحكومات قبل
وأثناء انعقاد المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا. وعندما شكلت
الحكومات مجموعات لدولها لمطارحة الأفكار ولم تسمح للمنظمات غير الحكومية
بالحضور في تلك الاجتماعات التحضيرية، قامت المنظمات غير الحكومية بتشكيل
مجموعات من نفس المناطق لتناقش وتطرح الأفكار للمؤتمر العالمي من وجهة
نظر غير حكومية. وهناك اتجاه دولي يرى ضرورة استيعاب أنشطة هذه المنظمات
وإلا انفتح الطريق لكيان دولي آخر، ولكن غير حكومي. قد
يكون من
أبرز
سمات هذه المنظمات أنها تهتم بقضايا محددة ذات أثر كبير بالنسبة لعامة
الناس.
فاهتمامها الأول ليس أمن الأنظمة وإنما أمن الناس وتأمين احتياجاتهم
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها. وهذه المنظمات طوعيه
في الأساس وتعتمد على بحر هائل من الطاقات المتوفرة لدى الناس في شتى
أنحاء العالم. بالإضافة لذلك، فإن هذه المنظمات عادة تكون عابرة للحدود
السياسيةTrans-nationalأي
أنها تجمع أناسا من مخلتف البلدان يتفقون على نفس المبادئ والأهداف.
فموضوع البيئة أو حقوق الإنسان وغيرها من المواضيع شأن لا يخص حدوداً
معينة، وبالتالي فإن المنظمات غير الحكومية تختلف عن المنظمات الحكومية
في قواعدها وفي اهتماماتها. على المستوى الوطني تعتبر المنظمات غير
الحكومية ومقدار انتشارها وحريتها الدليل الأكبر للحرية السياسية
المتوفرة في تلك البلدان. فالمجتمع المدني هو الأساس والعمود الفقري
للأنظمة المتطورة والقائمة على أسس إنسانية. ويعرف المجتمع المدني بأنه
ذلك المجتمع الذي يسمح بالتشكيلات الذاتية والطوعية والمستقلة عن الحكومة
التي تهتم وترعى شؤونا اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية. وهذه
التشكيلات هي المنظمات غير الحكومية الناشطة في مجتمعاتها. وحقيقة
الأمر هي أن هذه المنظمات والتشكيلات غير الحكومية تنشأ باستمرار في أي
مجتمع. والفرق أن حكومة ما تجهز جميع طاقاتها
باستمرار لقهر واختراق وتحطيم تلك التشكيلات غير الحكومية. وهذه الحالة
هي الحاصلة
في
البلدان التي تحرم شعوبها من حرية العمل السياسي والاجتماعي والثقافي
والاقتصادي.
6-
بعض المفاتيح الأساسية في عمل المنظمات غير الحكومية:
أ-التشبيك هو:التخطيط و التواصل لتعاون منظم بين طرفين أو أكثر من
المنظمات غير الحكومية,أوأفراد مهتمين بهذا القطاع بهدف تبادل الخبرات و
المعلومات و العمل المشترك في خدمة
و
تنمية المجتمع. و يقوم مفهوم التشبيك على مجموعة من المبادئ الأساسية
هي:
1-أن
تكوم علاقة تطوعية تتم بين أكثر من طرف للعمل معا مع احتفاظ كل منهم
باستقلاليته و هويته.
2-أن
يتم من خلاله تبادل المعلومات أو الموارد بين المنظمات و الأفراد.
3-أن
يكون للتشبيك هدف واضح منذ البداية لتجنب أي خلط قد يؤدي إلى عدم رضاء
الأعضاء و فقدان اهتمامهم.
4-لابد أن يكون لأعضاء التشبيك رؤية موحدة لأسلوب الإدارة و تيسير أنشطة
الشبكة و علاقاتها الخارجية.
5ـ-
تحتاج كل شبكة إلى نقطة محورية (جمعية أو فرد) تكون مسئولة عن التنسيق و
تيسير تبادل المعلومات بين أعضاء الشبكة.
ب-الحكم الداخلي هو عملية ممارسة القيادة داخل المنظمة غير الحكومية بشكل
يعمل على
تعظيم فرص الأعضاء في المشاركة في عملية صنع و اتخاذ القرارات.ويجب على
المنظمات غير الحكومية أن تطبق مبادئ الحكم الداخلي بطريقة تتيح الفرصة
أمام أعضائها و أفراد القاعدة الشعبية بالتعبير عن أنفسهم و المشاركة
بصورة فعالة في عملية اتخاذ القرار و متابعة عملية التنفيذ و تدوير
السلطة داخلها. و يتناول الحكم
الداخلي أيضا قضية الشفافية و المساءلة كمفاهيم أساسية للمجتمع المدني
النشط والمنظمات غير الحكومية.و لكن يكمن التحدي الرئيسي أمام المنظمات
غير الحكومية في
كيفية تطبيق هذه المبادئ التي ينادون بها و إدراجها في أنظمتهم.
ج-
مفهوم الدعوة و كسب التأييد: هي جهود منظمة تقودها مجموعة من المنظمات
التي تمثل المواطنين العاديين,لتوصيل أصواتهم نحو المشاركة في صناعة أو
تغيير القرارات و السياسات العامة التىتؤثر فى حياتهم.والمبدأ الرئيسي
الذي يفرق بين الدعوة و كسب التأييد و بين الأساليب الأخرى للتنمية هو
تركيز حملات الدعوة على التأثير في عمليات صناعة
القرار. فأنشطة الدعوة تعمل على مستوى صناعة القرارات و السياسات حتى
تحقق التغير
المنشود. و لا تتجه الدعوة إلى إظهار أو التعامل المباشر مع مشكلة
بالتحديد. فهي عملية منظمة و مقصودة و جهود متعمدة تهدف إلى تمثيل
اهتمامات و احتياجات المجتمع ونقلها لصناع القرار من أجل المشاركة في
تشكيل القرارات و السياسات العامة.
د-النوع الاجتماعي: هو البناء الثقافي والاجتماعي للمهام و الوظائف و
الأدوار التي تنسب إلى كل من النساء و الرجال في المجتمع.و هو يؤثر من
خلال التنشئة الاجتماعية علي الطرق التي يتخذها الأولاد والبنات في
تفكيرهم و سلوكياتهم و تصرفاتهم، كما ينعكس على الأدوار و الوظائف و
الأعمال التي يتم تشجيعهم على العمل بها في الكبر، كما أنه يتأثر
بالانطباع العام
للمجتمع و الصور التقليدية النمطية للمرأة و الصورة الإعلامية للمرأة
والرجل.و يهتم مفهوم النوع الاجتماعي بالبحث في الفروق بين المرأة و
الرجل والأدوار الاجتماعية الثقافية المختلفة التي يقوم بها كل منهما. و
تتغير أدوار النوع الاجتماعي حيث تختلف من مجتمع لآخر و من ثقافة إلى
أخرى. و هناك عوامل أخرى تؤثر
على
أدوار كل من الرجال و النساء في المجتمع منها العمر و مستوى التعليم و
التقاليد
الاجتماعية و الزمن و الموقع الجغرافي و غيرها.
هـ-
الإدارة الفعالة وهي: عملية تحقيق المنظمة غير الحكومية للأهداف المخطط
لها و ذلك بأقل
قدر
ممكن من الموارد المتاحة و في الإطار الزمني المحدد لها.و
هناك العديد من الأسباب التي تدفع المنظمة غير الحكومية إلى تبني قدرات
إدارية أفضل, و من هذه الأسباب:
1-الآثار المتميزة للإدارة الفعالة على الموارد البشرية و كذلك
تأثيرها على قدرة المنظمة على جذب المتطوعين و الحفاظ عليهم و على
عطائهم.
2-
مع تطبيق الإدارة الفعالة تكون الأمور في المنظمة أكثر وضوحا و تصبح
العمليات الداخلية ملاءمة لأداء الجمعية و تكون القواعد الداخلية متماسكة
و متكاملة معا، كما يزيد انتماء العاملين للجمعية و رسالتها.
3-
الإدارة الفعالة تساعد على خلق جو عام من الثقة و التعاون بين فريق
العاملين و الموظفين.
4-تتمتع المنظمة التي تمارس أنشطتها و أعمالها من خلال نظام إدارة فعال
بالقدرة على تحقيق النجاح
في أنشطتها
التنموية في المجتمع.
5-
تؤثر نظم الإدارة الفعالة على قدرة المنظمة على تحقيق الاستمرارية و
الاستدامة في عملها.
و-إدارة الموارد البشرية وهي: التخطيط المتكامل والمتجانس طويل المدى
والإدارة اليومية والمتابعة والرقابة المستمرة
للموارد البشرية الموجودة في المنظمة للحصول على الاستفادة العظمى منهم
ووضعهم في أحسن موقع يُمَكنهم من تحقيق رسالة وأهداف المنظمة. تهتم عملية
إدارة المتطوعين بجذب أكبر عدد ممكن من المتطوعين و توظيف قدراتهم و
إمكانياتهم المتاحة في أكثر الأماكن حاجة إليها و حيثما يكون لهم القدرة
على إحداث التأثير الأعظم في العمل.
ز-التخطيط الاستراتيجي وهو: الجهد المنظم لصناعة القرارات المصيرية، فهو
مجموعة من المبادئ والخطوات والأدوات التي صممت لتساعد القادة والمديرين
والمخططين على التفكير و التصرف بشكل إستراتيجي مما يساعد المنظمة على
صنع قرارات فعالة تؤدي إلى تحقيق رسالتها وإرضاء الفئات المعنية في ظلما
يحيط بالمنظمة من فرص وتهديدات بالبيئة الخارجية ونقاط ضعف وقوة في
بيئتها
الداخلية.
7-إطلالة على وضعية المنظمات غير الحكومية في المنطقة العربية:
تسعى
الحكومات في المنطقة العريبة، للسيطرة المطلقة على التشكيل
الاجتماعي،المدني,والأهلي ,والرياضي، وحتى الخيري.ولو
سمحت الحكومات بالعمل المدني الحر، لأنهت أكثر المشاكل,وتجاوزت العديد من
الأزمات, علاوة على ذلك ,لم تكن بحاجة إلى توظيف إمكانيات الدولة لاختراق
التشكيلات المدنية العلنية الطوعية,طالما استطاعت أن تخلق الثقة بينها
وبين مواطنيها. بحيث
يصبح مبدأ الدولة قائما على الإجماع الوطني المتوفر لدى أغلبية المجتمع .
وهذه الدولة تستطيع أن تمارس دورها في إنماء المجتمع لأنه يقف إلى جانبها
في الشدة والرخاء، والحكومة نابعة من المجتمع وإليه. ويتم حل الاختلافات
بالوسائل السلمية وعبر السماح للمنظمات والتشكيلات غير الحكومية,التي
تسمى مجموعات ضغط، بممارسة دورها ضمن الإطار المتفق عليه وداخل حدود حكم
القانون. ولابد من الإشارة إلى نوع آخر من
المنظمات غير الحكومية يطلق عليها باللغة الإنجليزية
Gongo
وهذه
الحروف اختصار لـ
Government-organised Non-Governmental Organisation.
هذا
النوع من المنظمات عبارة عن مؤسسات تشكلها الحكومات لاستخدامها كوسيلة
خادعة لمحاربة تكوين منظمات غير حكومية حقيقية. هذه المنظمات الوهمية
أخطر من المؤسسات الحكومية العلنية لأنها تسعى لمصادرة الاسم والمضمون
الذي ينبغي أن تشمله مؤسسات المجتمع المدني.وعمليا, نشير إلى أن التجمعات
غير الحكومية ليست ظاهرة غريبة عن مجتمعاتنا، وبالرغم من أن عام الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان في العالم العربي ,كان عام النكبة بولادة دولة
إسرائيل مع ما رافق ذلك من خلق حالة شك عامة بالأمم المتحدة ومؤسساتها
في الشارع العربي. وفي حين كان العالم يعاود اكتشاف روابط حقوق الإنسان
لم تتشكل أية منظمة عربية حتى بداية الستينات. وبقيت دعوة رئيف خوري في
1949 للمثقفين اللبنانيين إلى تشكيل جمعية مستقلة لحقوق الإنسان دستورها
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان دون استجابة. ولم تنضج إذن فكرة منظمة غير
حكومية مرخص بها لحقوق الإنسان في بلد عربي حتى عام 1962 , وقد يعود ذلك
إلى أن عدم إعطاء الحقوق الأساسية للشعوب حقها في الإعلان العالمي قد أخر
الثقة بدور لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وقد غطت المسألة الوطنية
تماما على المسألة المواطنية في هموم جيل الاستقلال فيما جعلنا نتحدث
اليوم عن استقلالين. وكان ظهور الجيل الثاني من المدافعين (باعتبار أن
الجيل الأول كان حالات فردية ومبادرات معزولة) محاولة لإعادة طرح التوازن
بين الوطن والمواطن والديمقراطية وقضية التحرر الوطني. إلا أن هذا الجيل
الذي شكل الرابطة السورية لحقوق الإنسان في 1962 والجمعية العراقية لحقوق
الإنسان في الفترة نفسها واللجنة القومية لحقوق الإنسان في السودان
(1967) والعصبة المغربية لحقوق الإنسان (1972) لم يستطع الوقوف في وجه
جيل, ضحى بقضية الحرية باسم التحرر و المواطنة باسم الوطن. وقد قامت
الاتجاهات القومية بتهميشه وقمعه في سورية والعراق والسودان, وحصره في
إطار حزب الاستقلال في التجربة المغربية إلى حين ولادة الجمعية المغربية
لحقوق الإنسان في 1979.وإن المحاصرة التي عاشتها التجارب الأولى لمنظمات
حقوق الإنسان لم تلبث مع تصاعد القمع وتعزيز الدولة التسلطية العربية أن
دفعت بالضحايا إلى هذه الحقوق للدفاع عن النفس والأهل والمحيط.و ولد
الجيل الثالث لنشطاء حقوق الإنسان في بحر حالة تسلطية عربية حطمت
المكونات المستقلة للمجتمع حرصا على أمن السلطات السائدة. وطبعت ظروف
النشأة هذا الجيل الذي تلقف حقوق الإنسان كوعاء جبهوي يجمع من استثناهم
النظام السائد من قلعة الشرعية . وبرزت معظم السلبيات التي طبعت هذا
الجيل يوم تشكلت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في 1983 بمبادرة لعدد من
المثقفين العرب وبكل حساباتهم السياسية. ومما يـشهد له أن المنظمة
العربية لم تخض معركة كبيرة هامة مع أحد، بل كانت اكثر من مرة ضحية
المسار القمعي العام الأعمى الذي لم يقبل حتى هذه الصيغة المحدودة
الفعالية للعمل الإقليمي من أجل حقوق الإنسان.رغم قصورها التنظيمي و
التكويني وعدم تصديها لمهمات مركزية للنضال في العالم العربي، كانت
المنظمة ابنة حقبتها من جهة ومحل استقطاب وتأييد للعديد من الطاقات
العربية الصاعدة ومصدر أمل. ومن قمقمها ولدت أكثر من منظمة محلية لم تلبث
أن تجاوزت المنظمة الأم كما هو الحال في مصر. إلا أن حركة حقوق الإنسان
لم تكن أسيرة هذا الشكل العلائقي. فقبل ولادتها، كان هناك أكثر من تجربة
إقليمية. وبسبب سياساتها المهادنة، نشأت أكثر من تجربة عربية خارج
نطاقها. وتطورت أكثر من تجربة محلية بشكل مستقل تماما عنها مثل منظمة
"الحق" الفلسطينية وتجربتي سورية والبحرين.عمليا, لم تنح الحركة العربية
في سنوات الثمانينات من القرن الماضي منحى واحدا و لم يكن هناك أنموذجا
ممتازا يحتذى. فقد اختلفت أساليب النشأة ومراحل التطور بشكل غريب. وضمت
الحركة منظمات متأثرة بأحزاب معينة أو طوائف محددة وأخرى مفتوحة العضوية
تعددية التركيب. كذلك بدأت قضية المهنية تطرح هيكلة جديدة محدودة العضوية
ومحصورة المشاركة. ولم تلبث حركة حقوق الإنسان أن برزت، بالرغم من كل
مشاكلها وأساليب الحصار المختلفة التي تعاني منها، كقوة مؤثرة في المجتمع
وطبيعة الدولة ولو اختلف هذا التأثير بين بلد وآخر، إلا أنه موجود.
فعندما يتمكن مجموعة من البشر لا يزيد عددهم عن عشرين شخصا من كسر الطوق
في قضية الاعتقال التعسفي في بلدهم أو فتح ملف المفقودين على مصراعيه أو
إجبار حكومة تسلطية على التراجع عن إجراءات غير ديمقراطية، يكتسب هذا
النضال ثقة المجتمع بسرعة ويعاد الاعتبار للعمل العام بعد كل الهزائم
المبكرة التي عاشتها المنطقة العربية ويفتح أمام الناس حق التفكير في
احتمالات متعددة لوجودهم لا يغيب عنها الحق في مجتمع متمدن يحترم حقوق
الأفراد والجماعات ويعتبر احترام حق الآخر في الوجود جزءا لا يتجزأ من
كرامة الذات.
8-
معوقات داخلية وخارجية
ما
زلنا حتى اللحظة بحاجة إلى إقناع هذه الحكومة أو تلك بحق المنظمة غير
الحكومية في الوجود والنشاط. والمأساة في ذلك, أن المنظمات غير الحكومية
قد نجحت على الصعيد العالمي في تحقيق أهم ثورة سلمية وهادئة ذات آثار لا
تحصى على البشرية في القرن العشرين. فقد اتسع نطاق هذه الظاهرة بشكل
كبير, وغطت نشاطاتها ميادين عديدة سبقت فيها السلطة التنفيذية متجاوزة
العديد من جوانب قصور السلطة السياسية.من هنا، وقبل مناقشة أوضاع
القوانين العربية، يحق لنا أن نطرح سؤالا بسيطا على كل عربي في موقع
المسئولية السياسية : أي مجتمع نريد؟ هل نريد مجتمعا تعدديا وديمقراطيا؟
إن كان الجواب نعم، فإن من بديهيات العمل السياسي والعلوم السياسية
اليوم أن لا ديمقراطية دون امتلاك المجتمع لوسائل مستقلة لرصد ممارسات
التعبيرات المختلفة للسلطة في الدولة والمجتمع. ولا وسيط من أجل اقتصاد
العنف يفوق في أهميته المنظمات غير الحكومية,وهذا ما يؤكد الضرورة
القانونية لشرعية وجودها,بالرغم من أن القانون السائد والعسف والأحكام
المسبقة والمواقف السياسية كانت تكبل جهود المنظمات العربية غير الحكومية
وتستهلك الأهم من طاقات أعضائها. إضافة إلى مناقشة مسألة المهنية
انطلاقا من الحاجيات الفعلية والمقاربة الخاصة لمفهوم المنظمة، مفتوحة
أو مغلقة العضوية.و في حين أصبح من عاديات الأمور وجود شبكة تضامن وتعاون
وحوار إقليمية وعالمية. وتنص مادة "موارد الجمعية" في النظام الداخلي
الذي يقره مؤتمر الجمعية أو مجلسها على ما يتفق عليه الأعضاء -وليس وزير
الداخلية أو وزير الشؤون الاجتماعية والعمل- بشأن السياسة الاقتصادية
للمنظمة,مما أفسح في حوارات واسعة حول موضوعات التمويل وطبيعة العلاقات
الإقليمية والدولية.وعمليا لم تكن السلطات السياسية مسؤولة وحدها عن هذا
الوضع. فهناك مشكلات ثقافية بنيوية تركت آثارها في التعبيرات غير
الحكومية, فهناك الخلفية السياسية للأعضاء وضغوط الأحزاب السياسية في
السلطة والمعارضة.
الصوت العدد 30
|
|