]    الآلية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والدفاع عن المنظمات الإنسانية والخيرية  [
 

 

الدكتور محمد أمين الميداني رئيس المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا

 

 

سنقدم في هذه المداخلة آلية الحماية التي اعتمدتها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وسنبدأ بعرض موجز لهذه الآلية الأوروبية (أولا)، ومن ثم سنتعرض إمكانية استفادة المنظمات الإنسانية والخيرية منها (ثانيا).

 أولا عرض للآلية الأوروبية لحقوق الإنسان

إ ن أول اتفاقية جماعية تم تحضيرها وصياغتها في رحاب منظمة مجلس أوروبا (1)، هي "اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية" (2)، التي تم التوقيع عليها في مدينة روما في 4/10/1950، والتي دخلت حيز التنفيذ في 3/9/1953.

 وتم أيضا تحضير عدة بروتوكولات أضيفت إلى هذه الاتفاقية، بقصد إضافة بعض الأحكام عليها، أو الإقرار بمزيد من الحقوق والحريات، كالبروتوكول الأول، والبروتوكول رقم 4، أو تعديل بعض موادها، كالبروتوكولين رقم 3 ورقم 4 ، أو منح المحكمة الأوروبية صلاحيات إضافية، كالبروتوكول رقم 2، أو إلغاء عقـوبة الإعدام كالبروتوكول رقم 6، أو إدخال تعديلات جذرية على آلية الاتفاقية، كالبروتوكول رقم 11. وتشكل اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بالإضافة إلى البروتوكولات المضافة إليها، وعددها حتى الآن 14 بروتوكولا، ما يُسمى بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

 لم تقتصر الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بالنص على الحقوق والحريات الأساسية للكائن البشري وتقريرها (3)، بل سعت لحماية هذه الحقـوق والحريات والسهر على تطبيقها من خلال تأسيس هيئة قضائية وهي: المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 فقد كرست هذه الاتفاقية الأوروبية جزئها الثاني (المواد من 19 إلى 51) للبحث في تأليف هذه المحكمة وصلاحياتها واختصاصاتها ونشاطاتها.

 ولم تباشر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عملها بالتطبيق للاتفاقية الأوروبية إلا في عام 1959، وذلك بعد أن قبلت 8 دول أطراف في هذه الاتفاقية بالقضاء الإلزامي لهذه  المحكمة. وقد تم استكمال هذا الشرط في 3/9/1958، ووضعت المحكمة نظامها الداخلي في   18/9/1959، ومن ثم أدخلت على هذا النظام عدة تعديلات على نظام المحكمة كان آخرها في عام 1998.

_* نص مداخلة قدمت في المؤتمر الثاني للمنظمات الإنسانية والخيرية، جنيف 24 و25/9/2004.

  لقد مرت آلية الحماية التي أسستها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بعدة مراحل بين أعوام 1953-2004.

 فقد اعتمدت هذه الحماية بداية على هيئتين: اللجنة الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ولم يكن بالإمكان تقدم شكاوى الأفراد، أو مجموعات الأفراد أو المنظمات غير الحكومية إلى اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان(4) إلا إذا قدمت الدولة المشتكى منها بلاغا يسمح بقبول تقديم الشكاوى ضدها. كما كان من المفروض انتظار دخول البروتوكول رقم 9 المضاف إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حيز التنفيذ ليتمكن الأفراد، أو مجموعات الأفراد أو المنظمات غير الحكومية من تقديم شكواهم أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 وجاء اعتماد البروتوكول رقم 11، ودخوله حيز التنفيذ في 1/11/1998، ليلغي اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، ويكلف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وحدها مهمة السهر على احترام الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لما نصت عليه من حقوق وحريات. وتتمثل الخطوة الهامة في السماح لهذه المحكمة الأوروبية بقبول الشكاوى الفردية من دون حاجة لموافقة مبدئية من قبل هذه الدول الأطراف.

 كمـا حدد البروتوكـول رقم 11، من جهـة ثانيـة، فترة انتقـالية مدتها عام تبدأ من   1/11/1998، تقوم خلالها اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، حيث يشغل أعضائها مناصبهم كالمعتاد خلال هذه الفترة، بالنظر في مضمون الشكاوى التي سبق أن قدمت إليها، والتي قبلـت من ناحية الشكل. أما الشكاوى التي لم ينظر فيها شكلا، وتلك التي لم تستكمل اللجنة الأوروبية دارستها خلال هذه الفترة، فيعود للمحكمة الأوروبية الجديدة مهمة الفصل فيها

 وتتمثل المرحلة الجديدة في اعتماد البروتوكول رقم 14 بمدينة ستراسبورغ بتاريخ    13/5/2004، والذي لم يدخل بعد حيز التنفيذ.

 ثانيا استفادة المنظمات الإنسانية والخيرية من الآلية الأوروبية

تستطيع المنظمات الإنسانية والخيرية كمنظمات غير حكومية أن تستفيد من الآلية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان بفضل ما تضمنه المادة 34 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والتي تنص على ما يلي: "يجوز اللجوء إلى المحكمة لأي شخص طبيعي، أو لأية منظمة غير حكومية، أو لأية مجموعة من الأفراد تدعي بأنها ضحية انتهاك أحد الأطراف السامية المتعاقدة للحقوق التي تعترف بها الاتفاقية وبروتوكولاتها. وتتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بألا تعرقل بأية وسيلة الممارسة الفعلية لهذا الحق".

 ولكن هناك مجموعة من الشروط والإجراءات المفروض اتباعها أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حال تقديم الشكاوى، حكومية كانت أو فردية، في حال انتهاك مواد هذه الاتفاقية الأوروبية، سنستعرضها باختصار:

 يقوم رئيس هذه المحكمة الأوروبية بتوزيع الشكاوى التي تصلها إلى مختلف أقسامها. ويمكن التقدم بالشكاوى الحكومية (المادة 33 من الاتفاقية)، والشكاوى الفردية أيضا (شكاوى أفراد، أو مجموعات أفراد، أو منظمات غير حكومية، المادة 34 من الاتفاقية)، إلى هذه المحكمة الأوروبية وذلك بعد أن دخل البروتوكول رقم 11حيز التنفيذ في 1/11/1998.

 وتكون الأصول المتبعة أمام المحكمة الأوروبية وجاهية، حيث يمكن لكل طرف أن يوضح وجهة نظره، ويقدم كل حججه ووثائقه ومستنداته، حتى يضمن نجاح طلبه أو دفاعه لدى هذه المحكمة. وتكون جلسات المحكمة الأوروبية علنية إلا إذا قررت إحدى الغرف أو الغرفة الكبرى خلاف ذلك (الفقرة الأولى من المادة 40 من الاتفاقية). كما يمكن للجمهور الإطلاع على الوثائق المقدمة إلى قلم المحكمة "إلا إذا قرر رئيس المحكمة خلاف ذلك" (الفقرة 2 من المادة 40 من الاتفاقية).

 أما شروط تقديم الشكاوى إلى المحكمة الأوروبية فهي:

 1 - استنفاد طرق الطعن الداخلية: من القواعد الأساسية في تطبيق آليات الحماية الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، قاعدة استنفاد طرق الطعن الداخلية.

  وتعدّ هذه القاعدة من القواعد العرفية في القانون الدولي. وتم التعارف عليها حرصا على السيادة الوطنية للدول التي صادقت على الاتفاقيات الدولية، وبخاصة تلك التي تنص على آليات تسمح بمسألة الدولة أو مقاضاتها في حال انتهاكها لأحكام هذه الاتفاقيات.

 وتنص الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في الفقرة الأولى من المادة 35 على ما يلي: "لا يجوز اللجوء إلى المحكمة إلا بعد استنفاد طرق الطعن الداخلية كما حددتها مبادئ القانون الدولي المعترف بها عامة".

 والمقصود بطرق الطعن الداخلية كل الطرق المعروفة في مختلف الأنظمة القانونية: المدنية، والجزائية، والإدارية، والدستورية ، والعادية، والاستثنائية...الخ.

 فاللجوء إلى هذه المحكمة الأوروبية مشروط باستنفاد طرق الطعن الداخلية هذه، مما يعني بأن اللجوء إلى المحكمة هو تصرف لاحق أو متتم لتصرف أصلي وأولي ألا وهو اللجوء إلى المحاكم الوطنية، هذا من جهة.

 لكن ضرورة استفاد طرق الطعن الداخلية لا يعني، من جهة ثانية، بأن المحكمة الأوروبية ستطبق هذه القاعدة بحذافيرها دون الأخذ بعين الاعتبار أوضاع المشتكي وظروف القضية المعروضة عليها. فمن خلال العديد من القضايا التي عُرضت على هذه المحكمة أوضحت بأن هذه الأخيرة كانت متفهمة ومقدرة لمثل هذه لأوضاع والظروف مما جعلها تتغاضى عن تطبيق هذه القاعدة، أو تعفي المشتكي منها، أو تطلب من الدولة المشتكى منها أن تُثبت بأن طرق الطعن الداخلية كانت مفتوحة أمام المشتكي وميسرة له.

 تشمل، إذن، قاعدة استنفاد طرق الطعن الداخلية، وكما هو واضح من نص الفقرة الأولى من المادة 35، الشكاوى الحكومية والفردية أيضا. وكما أوضحنا يمكن أن تعفي المحكمة الأوروبية المشتكي منها من تطبيق هذه القاعدة، هذا من طرف، كما يمكن أن تتنازل الدولة المشتكى منها عن مطالبة المشتكى بتطبيقها قبل تقديم شكواه إلى هذه المحكمة، من طرف آخر. فللمحكمة الكلمة الفصل فيما يتعلق بتطبيق هذه القاعدة تبعا لتفسيراتها وشروحها على كل قضية تعرض عليها، والتي يقصد منها تحقيق حماية فعلية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية حسب ما نصت عليه الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

 2 - مهلة الستة أشهر: يوجد شرط آخر لتقديم الشكاوى، الحكومية منها أو الفردية، أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ألا وهو تقديمها خلال "مهلة ستة أشهر بدءا من تاريخ صدور القرار الداخلي النهائي" (الفقرة الأولى، المادة 35 من الاتفاقية).

 فمن واجب الطرف المشتكي، فردا كان أو حكومة، أن لا يتأخر بتقديم شكواه إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بعد استنفاد طرق الطعن الداخلية، وصدور القرار القضائي النهائي، وفي هذا دليل على حرص الطرف المشتكي على تبليغ هذه المحكمة بوجود مخالفة لأحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وعرض شكواه عليها.

 3 - التصريح عن هوية المشتكي: لا تقبل المحكمة الأوروبية أية شكوى فردية تقدم إليها إذا كانت "مجهولة المصدر" (البند (أ) من الفقرة 2 من المادة 35 من الاتفاقية).

  لقد قُصد من هذا الشرط قطع الطريق على كل محاولة يراد بها التهجم على دولة طرف في الاتفاقية الأوروبية، أو استغلال تقديم الشكوى للإساءة إليها تبعا لإغفال اسم المشتكي أو عدم الإفصاح عن هويته.

4 - أن لا تكون الشكوى قد عرضت سابقا على المحكمة الأوروبية أو عرضت على أية هيئة أخرى: لا يجوز عرض نفس الشكوى التي سبق أن نظرت فيها المحكمة الأوروبية وأصدرت حكمها، سواء بالرفض أو القبول، إلا إذا استجدت وقائع جديدة تسمح بعرض هذه الشكوى مجددا على هذه المحكمة. 

 كما لا يجوز التقدم بشكوى فردية إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وتقديم نفس الشكوى إلى هيئة تحقيق أو تسوية إقليمية أو دولية أخرى (البند ب من الفقرة 2 من المادة 35 من الاتفاقية). وهذه قاعدة عامة ومعروفة في مجال الحماية الدولية لحقوق الإنسان.

  يتضح إذن بأنه من حق المنظمات الإنسانية والخيرية كمنظمات غير حكومية أن تلجأ إلى المحكمة الأوروبية في حال انتهاك حقوقها من قبل أية دولة طرف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

 ويجب أن نلفت الانتباه هنا إلى المادة 35 من هذا البروتوكول من البروتوكول رقم 14والتي تسمح للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وإذا تبين لها بأن المشتكى الذي قدم شكواه إليها (سواء كان فردا أو مجموعة من الأفراد أو منظمة غير حكومية) لم يتضرر فعليا، ولم تُنتهك عمليا حقوق الإنسان، أن تقرر بأن الشكوى المقدمة إليها لا تستحق أن يُنظر فيها من حيث الموضوع، في الوقت الذي يجب أن تحرص فيه هذه المحكمة على عدم رفض الشكاوى التي لم يتم النظر فيها بشكل فعلي من قبل القضاء الوطني لصاحب الشكوى. فليس القصد إذن من هذه المادة هو الحد من حق الأفراد بتقديم شكواهم، ولا منع المحكمة من النظر فيها.

هل نستطيع القول بأن المحكمة الأوروبية سترفض أن تنظر من ناحية الموضوع في الشكاوى التي يمكن أن تقدمها المنظمات الإنسانية والخيرية، على الرغم من استكمالها للشروط الشكلية التي سبق أن ذكرناها آنفا، إذا وجدت أن هذه الشكاوى لا تسبب ضررا فعليا لهذه المنظمات كغلق أحد فروعها أو مكاتبها في عاصمة أو مدينة أوروبية، أو منعها من ممارسة حقها بالتظاهر أو الدعوة لاجتماعات سلمية؟

 لا أعتقد بأن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بما هو معروف عن نزاهة واستقلالية وحياه وكفاءة قضاتها ستحيد عن سياستها التي اتبعتها منذ بدء عملها في عام 1959 والمتمثلة في سهرها على حسن تطبيق الدول الأطراف في لأحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ونصوصها، وحرصها على احترام هذه الدول لنصوص هذه الاتفاقية، وسعيها لإدانة كل مخالفة أو انتهاك تقوم به دولة طرف في الاتفاقية.

 كانت ولا تزال المحكمة الأوروبية في منأى عن سياسات الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، هذه السياسات التي تمليها عليها مصالحها ومنافعها بغض النظر في كثير من الأحيان عن مصالح شعوبها وإحقاق الحق وإنصاف المظلوم وحماية الضعيف. وما ترتب عن ذلك من إضرار لحق بعدد من المنظمات الإنسانية والخيرية التي ذهبت ضحية سياسات الدول الكبرى وسعيها للتحكم بمقدرات العالم والسيطرة على أمواله وشعوبه وأفراده أيضا.

 الهوامش

 (1) أنظر بخصوص تأسيس هذا المجلس وهيئاته واختصاصاته كتابنا: النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان، الطبعة الثانية، منشورات مركز التوثيق والإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان، الرباط، 2004، ص 21 وما بعدها. (لاحقا: الميداني، النظام الأوروبي).

(2) أنظر مواد هذه الاتفاقية والبروتوكولات المضافة إليها في: حقوق الإنسان، مجموعة وثائق أوروبية، ترجمة الدكتور محمد أمين الميداني، والدكتور نزيه كسيبي، الطبعة الثانية، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان، 2001، ص 35 وما بعدها.

(3) أنظر عرض لهذه الحقوق والحريات وتحليلها في الميداني، النظام الأوروبي، ص 43 وما بعدها.

(4) أنظر بخصوص هذه اللجنة واختصاصاتها ونشاطاتها مقالتنا بعنوان: "اللجان الإقليمية لحماية حقوق الإنسان"، المجلة العربية لحقوق الإنسان، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان، تونس، العدد 5، 1995، ص 57 وما بعدها

 

 

الصفحة الرئيسية