ترى كم يبلغ عدد المواطنين الذين يضعون على أسطح منازلهم خزانات للمازوت
تتسع لـ 1000 ليتر دفعة واحدة، وإن حاولنا أن نكون متفائلين بنسبة هؤلاء،
فماذا سيفعل الباقي ممن يعجزون عن شراء كامل كمية المازوت التي تم
تخصيصها لكل أسرة قبل نهاية الشهر الرابع من السنة القادمة.. والأهم من
هذا وذاك، ما المعنى من تحديد فترة محددة لتسليم أو لشراء المازوت
"المدعوم"؟!
دعا وزير النفط سفيان العلاو المواطنين من خلال الإعلام الرسمي الش هر
الماضي إلى البدء في صرف قسائم المازوت المدعومة التي بحوزتهم منذ الآن
قبل حلول فصل الشتاء والوقوع في اختناقات.
إذاً، الوزير العلاو يتوقع مسبقاً حدوث تلك الاختناقات، خصوصاً وأنه أشار
إلى أن الناس لا يستجرون المازوت حالياً والمخازين في ذروتها، وإذا أضفنا
إلى تصريح وزير النفط إلى بعض التصريحات الحكومية المنشورة في الصحف
الرسمية من أن الصعوبات التي تواجه سورية الآن تكمن في زيادة كميات
المازوت المخزنة والمتعاقد عليها للاستيراد عن الحاجة الفعلية في ضوء
انخفاض الطلب الكبير على هذه المادة بعد رفع أسعارها، سنكتشف أننا
كمواطنين نظلم الحكومة ونتجنى عليها، وأما المسكينة، فتبذل جهدها في
دعوتنا لملء خزاناتنا الضخمة بالمازوت.
ويبدو أنه وعندما اكتشف المواطن المكتفي من مادة المازوت أنه لن يستطيع
وضع أكثر من خزان على سطح منزله، ونظراً لعدم حاجته، وترفه الواضح، فقد
قرر هو وكثر مثله إلى بيع هذه القسائم على أساس أن "الكاش" أحسن من قسيمة
قد ينتهي مفعولها في الشهر الرابع قبل أن يستخدمها، فنشطت تجارة قسائم
المازوت بشكل واضح وشبه معلن مع الاستعداد لفصل الشتاء "والذي من المتوقع
أن يأتي قاسياً".
ففي الوقت الذي تم فيه توزيع دفتر قسائم المازوت الذي يخول صاحبه شراء
1000 ليتر بالسعر المدعوم (تسع ليرات) بيع وقتها للتجار والباعة الجوالين
بمبالغ "ما بينحكى فيها" ما بين 4000 و6000 ليرة، بينما وصل سعره حالياً
إلى ما بين 14 إلى 18 ألف ليرة.
بالأرقام والدلائل
وفقاً للبيانات الرسمية لفروع الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد
البترولية (المحروقات) فقد تسلمت منذ بداية شهر أيار ولغاية نهاية شهر آب
الماضي نحو 11.276 مليون قسيمة أي بمتوسط شهري يبلغ نحو 2.819 مليون
قسيمة، وبنسبة تصل الى 26.74% من إجمالي عدد القسائم الموزعة في جميع
أنحاء محافظات القطر إلى تاريخه، والتي تبلغ تبعاً لبيانات وزارة
الداخلية نحو 42.171 مليون قسيمة..
وللمسألة وجهان ولكن ليس لعملة واحدة، فمن البديهي أن النسبة السابقة قد
يعتبرها البعض من المعنيين في شركة المحروقات ومحطات الوقود نسبة
إيجابية، إن لم نقل مشجعة، ولكن ومن جهة ثانية، لابد من أن تكون الفكرة
البديهية التي خطرت في البال أن هذه النسبة "الكبيرة نوعاً ما" إنما بيعت
في موسم الصيف أي في أقل الفترات استهلاكاً للمازوت، وماذا يعني ذلك؟!
المعنى الوحيد والمنطقي أن من صرف تلك القسائم هم التجار الذين استغلوا
حاجة الناس البسطاء، وليس المواطن المحتاج فعلاً للمازوت، فهل يحق لنا أن
نسأل عمّا لو كان من الأفضل لو أن الحكومة أخذت على عاتقها إعطاء المواطن
فترة الشتاء كاملة لصرف مستحقاتهم من المازوت، وهل من يجيب المواطن
نفسه، عندما سيدق البرد القارس جميع الأبواب، كيف سيستطيع أن يدفئ عائلته
وأولاده.. والأكيد أن حرارة الحب والإيمان لن تفي بالغرض هذه المرة!!.
تزوير.. وضبوط
ضمن المعلومات المصرح عنها للصحف الرسمية، فقد أشارت الجهات المعنية إلى
أنها ضبطت لغاية الشهر الماضي ما يقرب من 222 دفتر قسائم مزورة (والدفتر
يضم 10 قسائم وبكمية مازوت قدرها 1000 ليتر) و248 قسيمة مزورة من فئة الـ
100 ليتر (أي أن عدد القسائم المزورة يصل إلى نحو 2468 قسيمة من فئة الـ
100 ليتر» بمجموع كميات مازوت كانت ستصرف بموجبها تبلغ 249.2 ألف ليتر
وبقيمة مالية تصل إلى نحو 6.230 مليون ليرة سورية، حيث تم توقيف 65 شخصاً
حتى تاريخه وآلات طباعية وتصوير وأحبار خاصة لإزالة الأختام..الخ
المدارس.. دخلت اللعبة!!
صدّق أولا تصدّق، فلم تبدأ المشكلة بالمنازل وتنتهي عندها، بل تعدت ذلك
لتصل إلى أولادنا في المدارس، إذ تم تخفيض مخصصات المدارس من المازوت.
فقد خفضت رئاسة مجلس الوزراء مخصصات المدارس من مادة المازوت إلى 100
ليتر لكل مدفأة، وللعلم بالشيء، فإن هذه المخصصات كانت في العام الماضي
150 ليتراً لكل مدفأة، وبالحساب المنطقي والبسيط فإن هذه الـ100 ليتر قد
تدفئ الطلاب لمدة شهرين على أقصى حد، وبالطبع يبدو تجاهل طول فصل الشتاء
الذي بات يمتد لأكثر من أربعة أشهر في السنوات الأخيرة أمراً صادماً
ومستفزاً للأهل وللطلاب، حتى أن إحدى المدرّسات (س.ت) في إحدى المدارس
قالت: "لو كان من المسموح أن يأتي الطالب بالمازوت من منزله لقام العديد
من الآباء بالتبرع بذلك، ولكننا سنضطر في الشهرين الأخيرين من فصل الشتاء
إلى إشعال المدافئ لفترة لن تزيد على الساعتين صباحاً".
أما عن الغرف الإدارية في المدارس، فإن مخصصاتها ستكون 100 ليتر لثلاث
غرف فقط في كل مدرسة، وإذا افترضنا أن كل من في السلك التعليمي في
المدارس سيتعامل بكامل الأهلية والمصداقية وسيكتفي بإشعال المدافئ في
ثلاث غرف إدارية فقط، فلن نخاف أن يبقى طلابنا في نهاية فصل الشتاء إلى
برد سيطغى على عقل الطالب والمدرس في آن.
ويصل عدد المدارس التي ستزود بالمازوت في دمشق لوحدها 612 مدرسة وروضة.
ليس أخيراً!!
لا نستطيع أن نقول أخيراً، خصوصاً مع معرفتنا وتأكدنا من أن ما كتبناه
ويكتبه الكثيرون عن مشكلة هي هاجس يومي لكل مواطن في بلدنا، إنما يقع في
خانة "النق" بالنسبة للمعنيين، ولابد من أن يكون الرد على ما حدث ويحدث
من بيع للقسائم وتزوير وتخفيض مخصصات أن "القانون لا يحمي المغفلين"،
ولكن من أسف، لا وجود لمغفلين في ما يحدث، إنما هم أناس بسطاء قرروا
تأجيل مشكلة في سبيل حل أخرى.. وربما يكون حل دريد لحام في مسرحية "كاسك
يا وطن" عندما أقنع زوجته والناس أن يناموا على أكتاف بعضهم لعل الدفء
يتسرب إلى عظامهم.. وإن نجحت معهم لعلها "تظبط" معنا.. والسلام ختام!!.
المصدر: بلدنا