] أزمة (النموذج) التي خلقها الفريق الاقتصادي والبحث عن (النموذج السوري) البديل [

 

د. منير الحمش   

 

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت الدول المستعمَرة بالحصول على استقلالها السياسي، وأصبحت تتطلع إلى تدعيم هذا الاستقلال بالاستقلال الاقتصادي وإخراج شعبها من حالة التخلف بسبب عهود طويلة من الاستعمار الذي لم يأل جهداً في استنزاف ثرواتها وخيراتها.

وعلى صعيد آخر واجهت الدول المتحاربة مشكلة إعادة تعمير ما خربته الحرب، وحدها الولايات المتحدة، نجت بنفسها من الدمار، إما بسبب تأخرها في دخول الحرب أو بسبب بعدها الجغرافي، وخرجت من الحرب منتصرة باقتصاد قوي وبنفوذ سياسي وعسكري قويين.
الاتحاد السوفياتي استطاع تمالك نفسه، وعزز قوته العسكرية والاقتصادية، وازداد نفوذه السياسي والأيديولوجي في أنحاء المعمورة.
البلدان النامية اتجهت كل منها، ضمن ظروفها إلى إقامة نموذجها التنموي، ولكنها سرعان ما أخفقت في مواجهة متطلبات التنمية وأُغرقت في الديون الخارجية، فضلاً عن وقوعها في براثن أنظمة حكم لا تعرف سوى التمسك بكراسي الحكم. فعاشت تلك البلدان سنوات من الإخفاق الداخلي والخارجي وبقيت نهباً للحكام والشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات الدولية، فوقعت أسيرة لهذا كله، عدا من استطاع أن يتحدى الضغوط ويعمل على بناء سياساته انطلاقاً من مصالحه الوطنية فلا يغلب مصالح الخارج ولا مصالح الشركات المتعددة الجنسيات، ولا ينحني لمطالب وتوصيات المؤسسات المالية الدولية. فضلاً عن هذا فقد وقعت هذه البلدان فريسة للتجاذبات الدولية واعتبرت أشبه بمسرح عمليات للصراع الدولي.
الاتحاد السوفياتي والدول الدائرة في فلكه، وإن استطاع أن يرقى إلى مصاف الدولة العظمى، واستطاع أن يكون قطباً يحسب حسابه على المستوى العالمي، فيقف في مواجهة القطب الآخر مكوناً معه ما يدعى بنظام القطبية الثنائية، توقف عن أداء دوره لأسباب أضعفته داخلياً، كان من أهمها، توقف ديناميكية النظام وفقدان المبادرة والإبداع، والجمود الفكري، وتخلف أداء المؤسسات، وانجراره إلى فخ السباق العسكري مع القوة الأعظم، هذا الفخ الذي استنزف موارده التي تعرضت للنهب بسبب الفساد ، وكانت البيروسترويكا بداية الانهيار الدراماتيكي الذي حدث في بداية التسعينيات وسط دهشة العالم أجمع. واندفع الحكام الجدد، بمساعدة الغرب، إلى قيادة البلاد (في الاتحاد السوفياتي السابق والدول الاشتراكية السابقة) تحت مظلة إصلاح الصدمة والتحول إلى اقتصاد السوق.
أما في البلدان الصناعية المتقدمة، فقد استمرت الولايات المتحدة في صعودها وتمسكها بنظامها الرأسمالي، في حين اتجهت الدول الأوربية إلى ابتداع نظام خاص وفق درجة تقدم كل منها، وهذا النظام كان أشبه بالسد المنيع للحيلولة دون اجتياح الاشتراكية السوفيتية من جهة، كما كان ملبياً لضغوط النقابات العمالية والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية من جهة ثانية. فضلاً عن أنه كان يحتاج إلى دور الدولة الاقتصادي لإعادة تعمير ما خربته الحرب. فاتخذ من السياسات الكينزية والسياسات الاجتماعية أساساً لصياغة أنظمة اقتصادية - اجتماعية معينة وفقاً لظروف كل بلد من البلدان الأوربية التي خرجت لتوها من الحرب منهكة، وتولد من ذلك كله ما يدعى بـ دولة الرفاه والدولة التدخلية واقتصاد السوق الاجتماعي.
لكن الازدهار الباهر الذي حققته السياسة الكينزية التدخلية في أوربا وأمريكا لم يلبث أن شابَهُ نوع من التراجع الذي تصاعد في أواخر الستينيات من القرن الماضي. ثم تبدى واضحاً في بروز أزمة الركود التضخمي، الذي وقفت الكينزية إزاءه مشلولة عاجزة عن تقديم الحلول. فانبرت الليبرالية الاقتصادية الجديدة لتلقي اللوم على تدخل الدولة، وتصاعد في السبعينيات اتهام الدولة حتى انتهى بتسلم الحكم من قبل تاتشر والمحافظين في بريطانيا (1979) وريغان والجمهوريين في الولايات المتحدة (1980)، فتبنى هؤلاء  السياسات الاقتصادية لليبرالية الاقتصادية الجديدة، التي تدعو إلى انسحاب الدولة من الشأن الاقتصادي والانفتاح والخصخصة وتخفيض الضرائب على الفئات الميسورة، وحرية التبادل التجاري.
إلا أن تطبيق السياسات الجديدة واجهت صعوبات عديدة، كان أهمها في الجانب الاجتماعي، مما أدى إلى تراجع شعبية كل من المحافظين في بريطانيا والجمهوريين في الولايات المتحدة، فنجح حزب العمال في الانتخابات وجاء بـ (بلير) رئيساً لوزراء بريطانيا، ونجح حزب الديمقراطيين في الولايات المتحدة وجاء ب (كلينتون) رئيساً للولايات المتحدة. وبالتنسيق فيما بين الاثنين خرج نموذج "الطريق الثالث" الذي أوصى به بعض الأكاديميين والباحثين، كطريق وسط، وإن كان يبقي النظام الاقتصادي تحت خيمة الرأسمالية.
وكان انهيار الاتحاد السوفياتي، قد صُوِّر وكأنه انتصار للنظام الرأسمالي وإعلان لقيام نظام أُحادي القطبية، فقد كرس هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي، ومع استئناف جولة أورغواي ثم إقرار إقامة منظمة التجارة العالمية لتحل محل اتفاقات الغات، ولتتولى إلى جانب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، توجيه السياسات الاقتصادية والمالية والتجارية لدول العالم، ولتستكمل الأدوات الدولية للدفع بالعولمة الاقتصادية قُدماً إلى الأمام.
وتفاوتت استجابات العديد من البلدان الناشئة والنامية لمطالب العولمة، وخاصة ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية الكلية، ومنها سياسات الانفتاح والخصخصة وتحرير التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي.
وقد وجدت الصين ضالتها في نموذج (اقتصاد السوق الاشتراكي)، أما ماليزيا فوجدته في الانفتاح انطلاقاً من المصالح الوطنية تجاه الخارج. وتذبذبت سياسات الدول الأخرى ما بين الانفتاح (السداح والمداح) في مصر الذي جرَّ عليها الويلات والكوارث الاجتماعية وحال دون قيام تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة، وبين النهج الذي اختارته فنزويلا في سعيها إلى إقامة نموذجها الاشتراكي.
وفي سورية، كان الجدال والحوار يصل إلى حد السخونة فيما بين اتجاهات اقتصادية عدة بحثاً عن نموذج التنمية التي عليها انتهاجه، إلى أن بدت الأمور وكأنها تستقر لصالح التوجهات الليبرالية الاقتصادية الجديدة وإن كانت القيادة السياسية قد أقرت التوجه نحو (اقتصاد السوق الاجتماعي). إلا أن هذا المفهوم الجديد والخاضع للتأويل والتفسير أخذ منه الفريق الاقتصادي الجزء الأول من المصطلح (أي اقتصاد السوق) وأهمل جانبه الاجتماعي.
ورغم الأصوات الممانعة التي تعالت من حين إلى آخر، فقد كان هناك إصرار من الفريق الاقتصادي على المضي في لبرلة الاقتصاد السوري.
وكان هناك شبه التقاء بين السياسات الاقتصادية التي اتُّبعت فعلاً، وما بين توصيات ونصائح المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي، كما كان هناك التقاء شبه تام بين برنامج الحكومة (المنفذ) وتوافق واشنطن الذي يضم إلى جانب المصرف والصندوق حكومة الولايات المتحدة. هذا البرنامج الذي صمم خصيصاً لتحول البلدان الاشتراكية والبلدان ذات التوجه الاجتماعي نحو اقتصاد السوق وجوهره الليبرالية الاقتصادية الجديدة.
وإذ ينادي الفريق الاقتصادي أن القضية قد حسمت وأنهم يعملون ضمن التوجهات العليا، فإنني أعتقد أن المسألة لم تُحسم بعد، وأن ثمة مجالاً واسعاً لإدخال التعديلات والتصحيحات المطلوبة لتصحيح المسار الاقتصادي وإعادته إلى الطريق السليم.
لنتفق أولاً، إن الطريق الذي سلكته الإدارة الاقتصادية سوف يؤدي إلى كوارث ونكبات اقتصادية واجتماعية، لأن من شأنه اتساع دائرة الفقر وزيادة الفجوة بين القلة من الأغنياء والكثرة من الشعب، فضلاً عن أنه سيقود إلى اقتصاد تابع يُضعف الدولة ويهمش مجموع الشعوب، إضافةً إلى تهميشه للدولة ذاتها في أجواء عالمية غير مواتية وفي ظل حصار وعقوبات لا يعرف مداها مستقبلاً.
صحيح أن قاعدة الغنى قد اتسعت وزاد عدد مالكي القصور والسيارات بسبب ممارسات السياسة الاقتصادية لكن التدقيق في أصول هذا الغنى يجعلنا نكتشف أنه أصاب فئات معينة من المحاسيب ومن أغنياء الفرصة والمضاربين بالعملة وبالأراضي والمهربين والسماسرة وغير ذلك من نوعيات لا نستطيع أن نتوسع بذكرها، وإن كانت معروفة لدى الجميع.
لكن في مقابل ذلك، أين الطبقة الوسطى؟ (وهي الطبقة المنتجة- المثقفة)، وأين الطبقة العمالية؟ وماذا أصاب الفقراء؟
لقد تدعمت سياسات الفريق الاقتصادي بجهود حثيثة قامت بها المؤسسات الدولية والاتحاد الأوربي في أوساط القطاع الخاص والأكاديميين والمثقفين ورجال الأعمال والبيروقراطية، وانصبت هذه الثقافة على إشاعة ثقافة السوق والعولمة، يدعمها المناخ الدولي العام والمناخ الإقليمي. في مقابل تراجع التيارات التقدمية والقومية واليسارية إلى جانب تراجع دور المنظمات الشعبية.
ولكن... ورغم ذلك فإننا نعتقد أن الفرصة لم تضع تماماً، ما زلنا في بداية الطريق، وإن الظروف الإقليمية والدولية ذاتها (تجبرنا)، إلى جانب الظروف المحلية، على إعادة نظر هادئة بالسياسات الاقتصادية والمالية التي تنتهجها الإدارة الاقتصادية، وصولاً إلى النموذج التنموي الذي يتلاءم مع طموحات الشعب، ويتوافق مع مقتضيات التطور والعصرنة.
أمامنا (بانوراما) واسعة على امتداد العالم من التجارب لدى الشعوب، كما لدينا تجربتنا الخاصة، وكما لدى شعوب الأرض ظروف خاصة، لدينا أيضاً ظروف خاصة.
ما هي هذه الظروف الخاصة في سورية؟
وأعتقد أن بداية بناء (نموذج سوري) للتنمية ينتج عنه بالتالي سياسات اقتصادية ومالية واجتماعية وثقافية. البداية هي في الانطلاق من الواقع والتطلع إلى المستقبل، بتلمس أهم معطيات هذا الواقع وبلورة طموح الشعب في مستقبل مشرق وواعد
.

معطيات الواقع تقول:
سورية بلد صغير، هي جزء من الأمة العربية بما يتضمنه ذلك من تاريخ وتراث وجغرافية وثقافة وعادات وتقاليد، فرض هذا على سورية التزامات قومية، خاصة تجاه قضية فلسطين، مما جعلها مهددة باستمرار بالعدوان الاسرائيلي وبالضغوط والتهديدات الأمريكية، وبصرف النظر عن طبيعة النظام.
الشعب في سورية معطاء، ذكي وطموح، ويتطلع الفرد السوري باستمرار إلى تحقيق الأحسن والأفضل له ولعائلته ولبلده، وهو شعب لا يقبل الضيم ويرفض الظلم، وإن كظم غيظه فإن ذلك إلى حين.
جزء عزيز من سورية محتل، ولا يمكن لهذا الشعب أن ينسى الجولان، ولا يقبل أن يُهمَل ذلك في أية خطة عمل، ومهما طال زمن الاحتلال فإن الجولان ستعود إلى الوطن الأم.
لدى شعب سورية تقاليد ومعتقدات سياسية، غذاها الأجداد وحملها الآباء، هذه التقاليد والمعتقدات تتبلور في رفض الوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية، ويترسخ لدى الجميع فكرة وقوف الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، ويأتي في هذا السياق رفض الأحلاف والمشاريع التي تُصاغ في الخارج لتفرض علينا واقعاً مغايراً لما نتطلع إليه. نجح هذا الرفض في الخمسينيات حين رفض حلف بغداد و(فراغ آيزنهاور)، وهو يفشل الآن في مشروع الشرق الأوسط الكبير والجديد والواسع، ويفشل أيضاً وأيضاً في الشراكة الأوربية المتوسطية.
لدى الشعب في سورية قناعة أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة لا يريد الخير للعرب، وبالتالي فهو لا يريد الخير لسورية، إنه يريد من العرب النفط وعائداته، وتثبيت وجود إسرائيل وما يتطلبه ذلك من تطبيع واعتراف.
  
وقد ولَّدت هذه القناعة، قناعة أخرى، بأن كل ما يُطرح من قبل الغرب ومنظماته ومؤسساته وشركاته هو لصالح الأقوى، أي لصالح دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولهذا يشك شعب سورية بتوصيات المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي ونصائحهما وبرامجهما، ويرى أن ذلك يجري لصالح الخارج على حساب مصالح الداخل.
من هذه القناعات ومن خلال الظروف المحيطة، فإن الشعب في سورية يريد بناء دولة قوية تستطيع أن تواجه التحديات وتصنع الظروف المواتية لنهضة شاملة تتضمن اقتصاداً قوياً، وجيشاً قوياً، وشعباً متعلماً، يتمتع بالصحة، عصري الثقافة، قادراً على التعامل مع التقنيات بما يسمح له بأن ينتجها أيضاً، يعيش عالم المعرفة والعلم والتقدم في مجتمع قائم على العدل والمساواة، ليس فيه استغلال لأحد، تسوده الألفة والمحبة، وتزول فيه الفوارق الاجتماعية، يتعامل مع المجتمعات الأخرى وفقاً لموقفها منه ومن قضاياه
.

هل هذا ممكن؟ أم أنه مجرد أضغاث أحلام؟ هل بالإمكان بناء (نموذج سوري) لمجتمع تطغى عليه (حالياً) مصالح القلة في الداخل، وتتصاعد فيه ضغوط الخارج؟
لندقق أكثر...
عندما تولى حزب البعث العربي الاشتراكي مقاليد الحكم في 1963، وحتى بعد الحركة التصحيحية عام 1970، عندما أُعلن عن التعددية الاقتصادية، كانت الفئات الاجتماعية (الحاملة) للنظام مكونة من العمال والفلاحين والموظفين وصغار الكسبة والحرفيين والطلاب والمعلمين، وكانت الإجراءات والسياسات تجري لصالح هذه الفئات. لكن القطاع الخاص كان موجوداً في الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات وإن كان صوته لم يكن عالياً.
ومع بدء تنفيذ مشاريع التنمية في السبعينيات، بدأت تبرز فئة جديدة من رجال الأعمال، وهم الوسطاء ما بين القطاع العام والشركات الأجنبية، وبدأت موجة من الفساد تظهر في المجتمع. وفي منتصف الثمانينيات (تسلل) إلى الإدارة الاقتصادية ممثلون عن القطاع الخاص وأصحاب التوجهات الليبرالية الاقتصادية وقادوا أول مراحل التحول نحو اقتصاد السوق.
وإذ أصدروا قوانين تتيح المشاركة بين القطاع العام والقطاع الخاص، فقد فشل هذا التوجه للمشاركة وفتح باب الانفتاح الاقتصادي في التجارة ثم الصناعة، ثم الخدمات الإنتاجية، ثم المصارف وشركات التأمين، ثم اعتبار تحرير التجارة الخارجية قاطرة النمو، ثم التركيز على السياحة والعقارات حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه.
اليوم، (الحامل) الأساسي في النظام الاقتصادي والاجتماعي، فئات أخرى مغايرة لتلك التي اعتمد عليها النظام السياسي في الستينيات والسبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات. وتتكون هذه الفئات من طيف واسع من رجال الأعمال الجدد من الشبان، ومن المحاسيب، ومن المروجين لاقتصاد السوق والانخراط في الاقتصاد العالمي والالتحاق بالعولمة.
لا نستطيع القول بأن ما يجري هو لصالح القطاع الخاص التقليدي، كما لا نستطيع القول بأنه ضد القطاع الخاص التقليدي، لكنه بالتأكيد لا يلقي بالاً لهذا القطاع وهو يحاول بناء مصالح جديدة ومفاهيم جديدة من شأنها تهميش كل ما عدا تلك الفئة من رجال الأعمال الجدد المصنعين في أنابيب الرأسمالية والذين يحظون بمباركة المؤسسات الدولية والاتحاد الأوربي.
إن منطق هؤلاء يلتقي مع منطق العولمة ومروجيها، ذلك المنطق الذي يطغى على خصوصيتنا ويلغي هويتنا وينتزع ثقافتنا لحساب الخارج لحساب الطرف الأقوى، فهو يضعف قوتنا التفاوضية ويزيد من حدة تخلفنا ويكرس تجزئتنا. إنه منطق الغابة حيث يأكل القوي الضعيف وتسود روح الاستغلال والاستبعاد والتهميش.
من هنا تبدو أهمية بناء النموذج السوري وضرورته، وهو وإن كان يتطلع إلى المستقبل بثقة، فإنه يلحظ الماضي والتراث ويعرف جيداً الواقع والظروف المحيطة، يفهم جيداً ما يريده الناس، يعرف تجربته الماضية بجميع الأخطاء والانحرافات ويبني عليها.
هذا (النموذج) يستفيد من تجارب الآخرين، لكنه لا ينقل تلك التجارب، فقد صممت لمجتمعات أخرى، ويستفيد من النصائح والتوصيات، ولكنه يرفض البرامج الجاهزة والوصفات المستوردة.
لهذا (النموذج) بوصلة خاصة ومقياس خاص، الوطنية، إنه ميزان لا يكذب، يوصل مباشرة إلى الهدف. يستبعد كل ما يسيء أو يضر الوطن، ويحتضن كل ما يدعم الوطن ويكرس النموذج.
يقف هذا النموذج على ساقين ثابتتين:
متطلبات الدفاع والتحرير ومتطلبات التنمية.
القطاع العام والقطاع الخاص.
آليات السوق والتخطيط.
الزراعة والصناعة.
العلم والمعرفة.
الإنتاج والخدمات الإنتاجية.
مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد.
المصالح الوطنية والمصالح القومية.
التراث التاريخي والتطلع للمستقبل.
التنمية والبيئة.
تلبية احتياجات الحاضر ومتطلبات الأجيال القادمة.
الإنتاج والإنتاجية.
الادخار والاستثمار.
الأسعار والأجور.
العمال والفلاحين.
ذوي الدخل المحدود والمنتجين.
الضريبة العادلة والتوزيع العادل للثروة والدخول
.

هذا هو عنوان النموذج السوري، يحتاج إلى تفصيل أكثر وإلى إكساء هيكله العام بالمزيد من البحث والإغناء، وعلى الفريق الاقتصادي أن يخرج من وراء السد الذي بناه لنفسه ولسورية، ليتنفس الهواء النظيف، هواءً خالياً من سموم الليبرالية الاقتصادية الجديدة، وليتخلص من براثن المؤسسات الدولية ونفث سموم الغرب، ليعيش بين الناس خارج فنادق الخمسة نجوم والحفلات المصطنعة والابتسامات الملغومة التي يوزعها دعاة العولمة ومروجو الالتحاق بالاقتصاد العالمي

 

 

الصفحة الرئيسية