بقلم: مروان دراج
معدلات التلوث في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وسواها من المدن، بدأت تنذر
بمخاطر لا حدود لها على صحة الإنسان، لاسيما وأن هذه المعدلات تتجاوز
المؤشرات والأرقام المسموح بها من جانب منظمة الصحة العالمية، ومن يرغب
في ملامسة هذا التلوث عن كثب للوقوف على حقيقة المشكلة، بمقدوره التوجه
إلى جبل قاسيون والإطلال من قمته على مدينة دمشق ليرى وبالعين المجردة أن
هذه المدينة تحولت إلى غمامة سوداء، حيث من غير الممكن مشاهدة بعض
المعالم الرئيسية في المدينة سواء بواسطة المجاهر المكبرة أو من غيرها،
وكل هذا إن دل على شيء، فهو أول ما يدل على أن إهمالاً بيئياً يلف غالبية
المدن وهو ما يستدعي استنفار الجهود للتخلص من الأسباب التي أدت إلى
تفاقم هذه المشكلة. والأمر اللافت هو أن الكثير من الدراسات والأبحاث
العلمية المختصة بدأت تحذر من مخاطر التلوث وتدعو من خلال الاجتماعات
الرسمية والندوات إلى ضرورة خلق الظروف المواتية والأساليب الصحيحة لمنع
تفاقم المشكلة، ولو أتينا على بعض الأرقام الرسمية، فإن البعض قد يعتقد
أنها غير صحيحة نظراً لضخامتها بالقياس مع المعدلات المسموح بها عالمياً،
ففي بعض المناطق في مدينة دمشق والتي سبق لها وأن اختيرت للمسح أو لقياس
الاختبارات لجهة التلوث، تبين أن هذه المناطق هي الأعلى وهي منطقة باب
توما والمهاجرين حيث سجلت أعلى النسب من ناحية أكسيد الكبريت، وأما
الانبعاثات الغازية الإجمالية من غاز ثاني أكسيد الكبريت في مدينة دمشق
وريفها تقدر سنوياً بنحو /6300/
طن، مقابل /149700/طن من غاز أول أكسيد الكربون، وهذا الغاز خطراً على
صحة البشر، وسبق لعدد من الأطباء التأكيد على أن الأمراض السرطانية
وأمراض الجهاز التنفسي ناجمة أساساً عن تلوث الهواء بالغازات، وإن غالبية
المرضى هم من الذين يقطنون في مناطق أكثر عرضة من غيرها للتلوث بهذه
الغازات..، وإذا كانت هذه الغازات مصدرها الأساسي عوادم السيارات، فإن
هناك أيضاً غازات أخرى سببها قطاع التجارة والصناعة، حيث أن التمدد
العشوائي للمنشآت الصناعية وابتعادها عن الدراسات العلمية، نجم عنه أيضاً
الإسهام في مفاقمة التلوث. هذا إلى جانب ما تتركه الحفريات والردم ومواد
البناء الإسمنتية من مخاطر أخرى في تلوث الهواء على وجه التحديد في مدينة
دمشق ومحيطها ومناطق السكن العشوائي التي شهدت تمدداً ليس عادياً في
العقود الأخيرة الماضية.
قد يسأل البعض.. ولكن.. ماذا عن الحلول والإجراءات التي يتعين الأخذ بها
للتخلص من مخاطر التلوث؟!.. هذا السؤال وسواه سبق وأن نشرت العديد من
المقالات والأبحاث التي تشير وبلغة علمية إلى مخاطر التلوث على صحة
الناس، غير أنه وإلى الآن ما زالت الحلول العلاجية الرسمية أكثر من
قاصرة، فالأمر الذي لا يحتاج إلى براهين، وأكدته الجهات الرسمية ذاتها هو
أن النسبة الأكبر من التلوث نجمت أساساً عن السيارات العاملة على
المازوت، ففي مدينة دمشق وحدها هناك نحو (35) ألف سيارة نقل (السرافيس)
تعمل على الخطوط الداخلية، وهذا السيارات سبق وأن اتخذت وزارة النقل
قراراً لمنعها من العمل في مدينة دمشق، انطلاقاً من وعي المخاطر التي
بدأت تتركها هذه السيارات على الصحة العامة، لكن وبما أن إمكان حل هذه
المشكلة، كاد أن يقود إلى مشكلة ثانية ممثلة بتفاهم أزمة النقل، فقد
تراجعت الوزارة عن قرارها، وعادت لتسمح من جديد في الإبقاء على هذه (السرافيس)
.. وعرض هذا المثال ليس القصد منه المثال نفسه، وإنما الإشارة إلى أن
الحلول المرتجلة من جانب بعض الجهات الرسمية غالباً ما تكون غير مدروسة
مسبقاً ولا تحيط بكافة الظروف المحيطة بالمشكلة، كما أن الحلول غالباً ما
تكون "ترقيعية" ولا تحاكي المشكلة من جذورها، فمنذ ما يزيد على العقدين
من الزمن، وهناك الكثير من الدراسات في وزارة النقل التي تؤكد على ضرورة
توفر النقل السككي أو ما يسمى بـ "مترو الأنفاق" ورغم إدراك هذه الجهات
لما يعنيه النقل الجماعي من أهمية لجهة معالجة مشكلات النقل من جهة والحد
من التلوث من جهة ثانية، فإن النقل السككي مازال مجرد فكرة ودراسات
ونقاشات ونوايا لا أكثر ولا أقل.
وفي دينا عن التلوث فإن المشكلة لا تتمثل فقط في "السرافيس" العاملة على
المازوت، وإنما أيضاً تنسحب على السيارات العاملة على البنزين، فإذا كان
المازوت يترك انبعاثات غازية مثل أول أوكسيد الكربون، فإن البنزين يحمل
معه معدلات عالية من الرصاص، وهذا الأخير ليس أقل خطراً من غاز الكربون
أو الكبريت، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أعداد السيارات العاملة
على البنزين تفوق في أعدادها سيارات المازوت، وهذه الأعداد الهائلة
تستدعي - كما ذكرنا - البحث عن بدائل جديدة للنقل لتخفيض نسب الخطورة من
الغازات المنبعثة منها،.. ولما كان البديل الممثل بمترو الأنفاق ليس
ممكناً على المدى المنظور أو في المستقبل القريب، فهذا يعني ضرورة البث
عن حلول مؤقتة، فعلى صعيد السيارات العاملة على البنزين يمكن تحسين نوعية
الوقود من خلال تنقية البنزين من الرصاص، فحسب بعض الدراسات العلمية فإن
الكثير من دول العالم تمكنت من التخلص من مادة الرصاص بوسائل وأساليب
مختلفة، وأما سيارات المازوت فقد وعدت وزارة النقل غير مرة في تحويلها
للعمل على الغز. ونأمل أن مثل هذه الوعود ألا تبقى مجرد نوايا أو قرارات
حبيسة الأدراج، فالوصول إلى بيئة نظيفة وخالية من الانبعاثات الغازية
المسببة للأمراض بات هدفاً جوهرياً في عمل معظم المؤسسات في العالم. وإذا
كانت بدائل النقل الجماعي قد أصبحت من منسيات دول العالم.
فذلك يعني أن بلدنا في مؤخرة الدول التي تعالج القضايا البيئية. وإذا لم
تستطع إلى الآن من توفير الحلول التي من شأنها محاصرة المشكلة والتخلص
منها نهائياً، فإنه وعلى أقل تقدير يتعين اللجوء إلى الحلول الوقائية
والتي قد لا تؤدي إلى نتائج جيدة في ظل تفاقم المشكلات البيئية.
وقد يسأل البعض وبكثير من البراءة... ولكن ماذا يفعل مركز الأبحاث
البيئية وأين هو دوره الذي يقوم به.. وماذا فعلت وزارة البيئة في وقت
سابق... وأين هي الخطط والبرامج الرسمية التي تسعى إلى بيئة نظيفة؟!
الأسئلة الآنفة الذكر وسواها تطلق يومياً من جانب ليس فقط الباحثين
والمهتمين ووسائل الإعلام، وإنما أيضاً المواطن العادي باتت تؤرقه قضايا
التلوث، حتى أن بعض الناس ومن الذين يتخوفون من الآثار التي يتركها
التلوث يقومون بوضع كمامات على أنوفهم وهذا المظهر وإن كان استثنائياً
ولا يمثل ظاهرة لغاية الوقت الحاضر، إلا أننا بدأنا نصادف مثل هذا
المظاهر في كثير من أحياء دمشق، وهو مظهر وإن كان يبعث على التنذر
والسخرية من جانب البعض إلا أن دلالاته تقول على أن هناك مشكلة بيئية
باتت تؤرق غالبية شرائح المجتمع في مدينة دمشق على وجه التحديد.
نعود إلى سؤالنا الأول حول الدور الذي يتعين أن يأخذه مركز الأبحاث
البيئية، باعتقادنا أن هذا المركز ومن خلال تسميته يمكن القول أنه مركز
لإعداد الأبحاث وليس للقيام بحلول إجرائية وعلاجية، ذلك أن المسؤولية
البيئية ليست مناطة بهذا المركز حصارً، وإنما هي مسؤولية كافة وزارات
ومؤسسات الدولة، بدءاً من وزارة الصناعة والاقتصاد وليس انتهاءً بأقل
وزارة لجهة الفاعلية،.. وإذا كان البعض يعتقد أن مركز الأبحاث البيئية
تقع على عاتقه مسؤولية التخلص من كافة الملوثات التي تتعرض لها البيئة
سيكون مخطئاً، فوزارة الصناعة - على سبيل المثال - والتي يقع على عاتقها
مسؤولية منح التراخيص الصناعية، يفترض أن يكون لها دور في ضمان إحداث
منشآت صناعية لا تقوم بتخريب البيئة، وهذا الأمر إلى الآن مازال غير محقق
في كثير من المنشآت، فهذه الوزارة يفترض بها ومن خلال أساليب مختلفة
التحقق مسبقاً من الآليات والطرق التي سيتم التخلص بها من عوادم ومخلفات
هذه المنشأة أو تلك، وأيضاً وزارة النقل من جانبها يفترض أن تسعى جاهدة
ومن خلال إجراءات مدروسة سابقاً التخلص من السيارات العاملة على المازوت،
وإنما – كما سبق وذكرنا – ألا تترك هذه الحلول مشكلات اجتماعية وتقود إلى
قطع أرزاق آلاف الأشخاص الذي هم غير مسؤولين أساساً عن إدخال مثل هذه
السيارات... ما أتينا على ذكره هو مجرد أمثلة للقول أن مسؤولية مواجهة
التلوث هي مسؤولية متكاملة، ولعل مركز الأبحاث البيئية يتمثل دوره في
التنسيق مع المؤسسات والوزارات المختلفة بهدف جمع المعلومات وإرشاد هذه
الوزارات على الآليات المثلى للوصول إلى حلول لهذه الظاهرة أو تلك.
وربما ما يساعد على ترجمة هذه المعلومات إلى واقع مشخص هو صدور قانون
البيئة الذي يضمن إمكان البدء في مشوار عنوان "من أجل بيئة نظيفة من
الملوثات".