]  المحكمة الجنائية الدولية خطوة على طريق حماية حقوق الإنسان  [
 

 

 

 دعاء قاسم

أن وجود نظام دولي فعال للمساءلة الجنائية عن الانتهاكات التي تستهدف حقوق الإنسان و خاصة في أوقات الحروب و النزاعات المسلحة إنما يعد من أقوى الضمانات لحماية احترام هذه الحقوق.

و منذ نهاية الحرب العالمية الأولى عمل المجتمع الدولي على وضع نظام للمساءلة الجنائية تحمى هذه الحقوق و تصونها خاصة بعد الانتهاكات المتتالية التي وقعت أثناء الحروب و الصراعات بين الدول و كان المجتمع الدولي في تلك الفترة غير مستعد لوجود نظام جنائي دولي فعال للمساءلة الجنائية لذلك تم الاستيعاض عن ذلك من جانب المجتمع الدولي بفكرة إنشاء لجان تحقيق مؤقتة تناط بها مهمة التحقق من ثبوت وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان من عدمها و بالإضافة إلى لجان التحقيق ظهرت محاكم دولية خاصة لمحاكمة بعض مجرمي الحرب العالمية الثانية  و من أمثلة هذه المحاكم نذكر المحكمة الجنائية الدولية بيوغسلافيا سابقا عام 1993 و المحكمة الجنائية الدولية لرواندا عام 1994.

 و من المؤكد أنه يمكن اعتبار هذه الإجراءات  بمثابة خطوات هامة على طريق تثبيت دعائم للمساءلة الجنائية الدولية إلا أن هذه المحاكمات لم تخلو من  وجود اعتبارات سياسية أثرت تأثير كبير في نزاهة و موضوعية تلك المحاكمات.

 و أخيرا ترجمت جهود الأمم المتحدة لإنشاء نظام جنائي دولي في مؤتمر روما الدبلوماسي يوليو 1998 بمشاركة دولية كبيرة حيث أقر المؤتمر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية و دخل حيز النفاذ في 1 يوليو 2002 و تعد هذه خطوة غير مسبوقة نحو تعزيز احترام حقوق الإنسان و جدير بالذكر معرفة علاقة المحكمة بالقضاء الوطني (مبدأ السيادة الوطنية), ما هي الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة , و كيفية اللجوء إلى المحكمة؟

 و فيما يخص تعدى المحكمة على مبدأ السيادة الوطنية فهو أمر غير صحيح حيث أن دور المحكمة يمكن أن يعد دورا احتياطيا أو بديلا و الأولوية دائما تعطى للمحاكم الوطنيةحيث أن المحكمة الجنائية الدولية لا تقوم بدورها إلا في حالتين الحالة الأولى هو تقاعس الدولة عن أداء دورها في ملاحقة الجناة و محكمتهم في سلسلة الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة و الحالة الثانية أن يحدث انهيار تام للنظام القضائي الوطني بسبب انهيار الدولة ذاتها و من هنا يتضح أن الأولوية تعطى للقضاء الوطني للقيام بدوره و ذلك للحفاظ على مبدأ السيادة الوطنية.

أما فيما يخص الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة كما نصت عليها في نظامها الأساسي فهي كالتالي:

 1- جريمة الابادة الجماعية: كقتل أفراد جماعة معينة, إلحاق ضرر جسدي بهم أو فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.

 2- الجريمة ضد الإنسانية: كالتعذيب, الاسترقاق, الاغتصاب, الاختفاء القسرى, إبعاد السكان و جريمة الفصل العنصري.

 3- جرائم الحرب: الانتهاكات الجسيمة لأحكام اتفاقيات جنيف الأربع كالقتل العمد, إجراء التجارب الطبية, الانتهاكات الخطيرة الخاصة بالنزاعات الدولية المسلحة كتعمد توجيه هجمات للسكان المدنيين, تعمد هجمات ضد مواقع مدنية, تعليمية, أماكن تجمع المرضى و الجرحى.

و أخيرا كيفية اللجوء إلى المحكمة فكما نص نظامها الأساسي : أولا لابد للمحكمة أن تتحقق من وقوع الجريمة في إقليم دولة طرف , و إن كانت دولة غير طرف فلابد أن تقبل اختصاص المحكمة في هذا الشأن, مجلس الأمن و المدعى العام للمحكمة.

و بخصوص عمل المحكمة فى الآونة الأخيرة  فقد أعلن المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس أوكاميو أسماء المتهمين بارتكاب جرائم في دارفور, هما أحمد محمد هارون وزير الدولة للشئون الإنسانية  في السودان و على محمد على المعروف بعلي كوشيب باعتباره قائدا لمليشيا الجنحويد الموالية للحكومة السودانية لارتكابهم 51 جريمة ضد الإنسانية منها الاضطهاد و التعذيب و الاغتصاب بحق قرويين في غرب إقليم دارفور السوداني في الفترة ما بين 2003 إلى 2004 و يمثل الآن الوزير أحمد هارون أمام المحكمة للتحقيق معه بشأن الجرائم الموجهة إليه.

و تعد هذه الخطوة إشارة مهمة نحو إدارة العدالة الجنائية الدولية و توجيه رسالة مهمة إلى الدول مفادها أنه لن يفلت أحد من العقاب ثبت قيامه بجرائم ضد الإنسانية مهما كانت المهام التي يضطلع بها الجاني.

و في النهاية يجدر الإشارة إلي أنه مازالت هناك عيوب و مساؤى  في النظام الأساسي للمحكمة تهدد استقلاليته كعلاقة مجلس الأمن بالمحكمة كإحدى جهات الإدعاء أمام المحكمة و السلطات المخولة لها في هذا الشأن . و هذا يتطلب مجهود كبير من نشطاء حقوق الإنسان و المهتمين بإرساء مبادئ العدالة الدولية و العمل بها في توجيه مزيد من الضغوط على الدول لتقييد سلطات مجلس الأمن في هذا الصدد و التعاون بشكل كبير مع المحكمة.

 

الصفحة الرئيسية