وضاح
محيي الدين
1
استطاعت النور ملامسة أطراف الحقيقة بالوثيقة والرأي، فازدادت قناعتها أن
الحكومة وأصحاب القرار ليسوا عاجزين عن حل المشكلة.. ولكن ما الذي حدث
بعد الاقتراح
الذي أصدره وزير الاقتصاد والتجارة د. لطفي برقم 111318/1108/18 تاريخ
12/6/2008
(الوثيقة
1) مخاطباً السيد رئيس مجلس الوزراء،
2
ومحتواه
تحديد كميات مادة الأسمنت الأسود التي تخص المجابل البيتونية المرخصة
وفق أحكام قانون الاستثمار 10 لعام 1991 وتعديلاته، وأحكام القانون 21
لعام ،1958
استناداً لعقود المتعاملين مع المجابل ودفاترهم ضمن الطاقة الإنتاجية
التي حددتها
مديرية الصناعة. وتقوم مؤسسة عمران بتسليم المادة للمجابل بناء على هذه
العقود
والدفاتر حصراً.
لنقرأ القصة كاملة إن الكميات المخصصة لهذه المجابل أصبحت
بحدود 105 ملايين طن سنوياً، لكن تسليم هذه الكمية يؤثر سلباً على الفئات
الاجتماعية الأخرى. ورغم أن القانون سمح لأصحاب المجابل بالاستيراد، إلا
أن معظمهم
يشترونها من السوق الداخلية السوق السوداء، الأمر الذي يحدث خللاً
كبيراً، وخصوصاً
أن الشرائح الكبيرة من المرخصين هم من ذوي الدخل المحدود، بينما أصحاب
المجابل
والشركات الكبيرة قائمة على المرسوم 10 وتعديلاته وأحكام القانون 21 لعام
1958.
رد الحكومة على اقتراح وزير الاقتصاد سطّر السيد نائب رئيس مجلس الوزراء
للشؤون الاقتصادية الحاشية التالية، مخاطباً مدير عام هيئة الاستثمار
السورية
للاطلاع وإجراء اللازم بتاريخ 16/6/2008.
3
المعاناة الواقعية
1-
المواطنون أصحاب رخص البناء يحصلون على رخصة نظامية
تحدد كمية الأسمنت وفق دفتر نظامي معتمد للاستلام من مؤسسة عمران، وهناك
المأساة.
الحصول على الكمية لا يتم إلى عبر سماسرة الأسمنت الموجودين أمام مراكز
البيع مركز
القصيلة، وبعد ذلك إما يؤخذ الدفتر منه بسعر الأسمنت النظامي، وتضيع
الرخصة، وإما
يدفع ثمن الأسمنت بالزيادة التي فرضتها مافيا الأسمنت.
2-
أصحاب المجابل وعبر
رخص البناء التي ينفذونها لجهات عامة أو خاصة يعانون الأمر نفسه، ولكن
المدفوعات
خلف الأعين تفتح الطريق للحصول على الأسمنت أو نحو السوق السوداء.
4
غرائب وعجائب في مركز العربية
زارت النور مركز القصيلة العربية، وشاهدت
وسمعت العجائب، مافيا الأسمنت العشائرية، هي المسيطرة على توزيع الأسمنت
على القطاع
الخاص والأفراد.. وهي التي تُدفَع لها آلاف الليرات، إضافة إلى مصادرة
الدفاتر من
المواطن وشرائها منه قسراً، والويل لمن يعترض.
علّق أحد أصحاب المجابل أنا لا
آتي إلا نادراً، لديّ مندوب خاص، وأصحاب المجابل مثلي، خوفاً من المشاكل
ندفع
أسبوعياً بحسب الكميات التي نستجرها.
السيد
محمد صباغ شرباتي، رئيس غرفة صناعة
حلب وصاحب مجبل الشهباء المرخص على القانون 10 والمستثنى من الضريبة
الجمركية
وضريبة مؤسسة عمران، صرح لـالنور هذا القرار لن يلغي أزمة الأسمنت ولا
السوق
السوداء، لأن سعر الأسمنت المحلي في السوق السوداء أرخص من المستورد،
ونعاني كثيراً
في عملية إدخاله عبر المنافذ الحدودية. وهذا ما يدفعنا للشراء من السوق
الداخلية.
كما أن الضرائب على الأسمنت المستورد مرتفعة وتجعل المادة المحلية أرخص،
واقتراح
السيد وزير الاقتصاد سيزيد الأزمة حدة.
السيد
زياد أسطنبلي، نقيب مقاولي حلب
قال اقتراح الوزير لحل الأزمة، ولكن الواقع أن مادة الأسمنت تُمنح عبر
الرخص
النظامية وبعقود مقاولات نظامية أيضاً مع القطاع العام. إذن المعادلة هي
المطلوب
يعادل الممنوح. المشكلة أن أصحاب الرخص يسلمون دفاترهم الأسمنتية للمجابل
لاستجرارها وتنفيذ الرخصة، مما يؤدي إلى حصر علاقة عمران بأشخاص محددين.
وفي اقتراح
الوزير الأخير إلغاء لهذه العلاقة.. فكل صاحب رخصة هو المسؤول عن استلام
الكمية
المخصصة، وهو أيضاً يستخدمها بالطريقة التي تناسب مشروعه. وهذا الاقتراح
لا يغيّر
شيئاً بالنسبة لكميات الاستجرار من الأسمنت والكمية المنتجة، مادامت
المجابل لا يحق
لها أن تحصل على حصص استثنائية بموجب ترخيص المجبل.
هيثم
حاج عارف، مدير فرع
عمران بحلب حول هذا الاقتراح لم يصلني أي كتاب، ولكن الأسمنت مشكلة
وبحاجة إلى حل.
المصانع عندنا لا تكفي. لقد شهدت سورية نمواً ساهم في زيادة الطلب على
الأسمنت.
اقتراح السيد الوزير يؤدي إلى توفير المادة في حال تخفيض الضرائب
المفروضة على
المستورد، ونحن كجهة طالبنا بتخفيضها، ولكن وزارة المالية رفضت. كما أن
صناعة
الأسمنت محصورة بالقطاع العام، ولو أنشأنا مصانع قطاع خاص استثماري لساعد
في حل
الأزمة، وللعلم تجاوز عدد المجابل في سورية الـ100 مجبل.
سمعنا عن سماسرة
الأسمنت في مراكز التوزيع، إذ لا يمر الأسمنت إلا عبر قنواتهم وعلناً
وأمام مفرزة
شرطة باب النيرب المسؤولة عن تنظيم التوزيع والمراقبة. والمشاجرات كثيرة
تنتهي
بـبوسة شارب، وفي بعض الأحيان تتدخل إحدى الجهات الوصائية الأمن السياسي
لإلقاء
القبض على زيد أو عمرو، وبعد أسبوع يعود الحال كما كان. وقد حاولت تصوير
المركز
فهددني أحدهم.
أصحاب
المجابل الذين حاورتهم أكدوا ذلك وطلبوا عدم ذكر أسمائهم
خوفاً على أعمالهم ومصالحهم.
مدير فرع عمران أكد هذه الحالة، وأنه دائماً يتابع
الأمر مع قسم باب النيرب والجهات الوصائية.
5
أين مبدأ تكافؤ الفرص؟
(الوثيقة
2) تبيّن أن مجبل نقابة المهندسين بحلب نال
استثناء من الكميات المخصصة، فقد منح المدير العام لعمران، بناء على كتاب
الوزير
المختص، نسبة 70% من الكميات المطلوبة، مما أدى إلى منافسته لباقي
المجابل في تنفيذ
المشاريع للقطاع العام والخاص والأفراد، لأنهم يحصلون على الأسمنت بشكل
شبه
تام.
النور اتصلت بالمهندس عبد الوهاب صفو، مدير عام المنشأة وأمين سر نقابة
المهندسين وسألته هذا المجبل 20% منه أسهم مهندسين، 80% من أموال نقابة
المهندسين،
وهو مشروع استثماري للنقابة، وعوملنا كما يعامل القطاع العام.
النور هذا
الاستثناء بالكميات الممنوحة يُلغي مبدأ تكافؤ الفرص أمام باقي المجابل
التي لا
تحصل على نصف كميتها وحصص الأفراد والمشاريع المطلوب تنفيذها، لأن مجبل
نقابة
المهندسين لديه ظروف عمل أوسع، لأن كل مشاريع البناء للقطاع العام والخاص
ستمر عبر
نقابة المهندسين. أين العدالة آنذاك؟ ونسأل إذا كان هذا المجبل هو قطاع
عام، فلماذا
لا يكون تحت إشراف القطاع العام وتشرف عليه عمران ويقوم بتوزيع البيتون
لعامة الناس
وبالسعر الرسمي مَثََلُه مثل باقي القطاعات العامة؟
السيد
حاج عارف هذا قرار
مدير عام، ونحن ننفذه! وما ذكرته صحيح.
6
المجابل المتحركة الموبايل ودورها في السوق السوداء
شاهدت النور بالصور
والوثائق أن هناك عدة مجابل صغيرة منتشرة في المدينة، وهي لتنفيذ مشاريع
للقطاع
العام، مهمتها صب البيتون وتنفيذ المشروع في المكان نفسه، لتخفيف أعباء
أجور النقل
والسرعة في التنفيذ، مثل مشاريع جامعة حلب ووزارة التعليم العالي ومشاريع
مجلس
المدينة والحرفيين.. إلخ.
في أحد المواقع لم نشاهد أي كتلة أسمنتية أبداً،
والمجبل يعمل والجبالات السيارات والمضخات تخرج لتصبّ البيتون في موقع
آخر.. وبذلك
يوفر صاحب المجبل آلاف الليرات من أجور وتكاليف النقل، حيث قرار بناء
المجابل في
المنطقة الصناعية الشيخ نجار، تبعد عن حلب 35 كم، كما أن أصحاب هذه
المجابل
المتحركة يأخذون الأسمنت المخصص لهذا المشروع ولا ينفذون معظم المطلوب
والباقي نحو
السوق السوداء.
النور
حصلت على إيصالات استجرار باسم واحد من هذه المجابل، وهو
لمشروع جامعة حلب والمقدر بـ10300 طن، والموافق عليه من رئيس جامعة حلب
والسيد
المحافظ (الوثائق 3 و4). والوثائق تذكر استجرار 1593 طناً منذ تاريخ
4/5/2008 حتى
16/6/2008
دون أن يصب متراً مكعباً واحداً من البيتون، والصور خير دليل. هكذا يصل
الأسمنت إلى السوق السوداء، ومعظم المجابل تفعلها ولا رقيب. (الوثائق
5و6و7و8و9).
سألنا
السيد هيثم حاج عارف حول هذه الظاهرة فأجاب نحن في عمران
نعطي المادة وفق الموافقات والتراخيص، ولم تأتنا شكوى لنتابعها. وجامعة
حلب بكتاب
رئيسها رقم 8615 تاريخ 8 حزيران 2008 الذي لديك يقول لاحقاً لكتابنا رقم
6128 تاريخ
24/4/2008
المتعلق باستجرار كميات الأسمنت لأعمال تنفيذ بناء سكن الأطباء والممرضات
في جامعة حلب تعهد شركة.. نحيطكم علماً بأن الأعمال مازالت مستمرة ولا
مانع لدينا
من تسليم المتعهد الكمية المتبقية من شهر أيار خلال شهر حزيران بمادة
الأسمنت
الأسود، لاستكمال الأعمال. ويتابع مدير فرع عمران هذا الكتاب وثيقة على
أن الجامعة
متابعة لمشاريعها، وعدم التنفيذ هو مسؤولية جهاز الإشراف على المشروع.
7
معلومات
1-
كل طن أسمنت مستورد تستوفي مؤسسة عمران رسماً عليه 1400 ل.س، تحت
بند عدم تفويت أرباح على مؤسسة عمران، ما عدا رسوم الجمارك طبعاً.
2-
كل طن
أسمنت مستورد يُدفع عليه 2800 ل. س ما بين الجمارك وعمران كضرائب ورسوم.
3-
سعر
الطن في السوق السوداء 7500 ل.س.
4-
السعر الرسمي للطن 5964 ل.س.
5-
معظم
المجابل تأخذ حصصها من عمران ولا تقوم بتحقيقها والزائد يذهب إلى السوق
السوداء.
6-
فرع عمران بحلب يعطي يومياً 1200 طن أسمنت أكثر من نصفها للسوق
الداخلية.
7-
مخابر فحص الأسمنت البيتون بعد تنفيذه لا يحقق مواصفات الكود
السوري كقوة صلابة، إذ يتم هناك عمليات تغيير المواصفات حسب الدفع.
8-
هناك
دائماً نحو 100 طن أسمنت تؤخذ من فرع عمران بحلب لصالح الرقة، لتنفيذ
مشاريع
للمجابل. وللعلم لا يوجد مجبل في الرقة.. أين تذهب الكمية؟ الموافقة تأتي
من
الإدارة العامة لعمران، والاستثناءات زادت في الآونة الأخيرة . (لدينا
وثائق عن
الاستثناءات).
نقيب
مقاولي الإنشاءات بحلب لن تنتهي سوق الأسمنت السوداء،
والسبب أن عمران لا تعطي كامل الكمية المخصصة لرخص البناء، فيضطر منفذ
البناء أن
يشتري من السوق السوداء لإتمام صبّ البيتون، لأن التوقف ما بين الصبة
والصبة ممنوع،
ويدمر التنفيذ. وحين يعوّض صاحب الرخصة بالكمية، يضطر إلى طرحها في السوق
السوداء،
لأنه أنهى مشروعه.. فالحل إعطاء الكمية مباشرة.
تساؤلات
كثيرة وواقع سيئ، وكأن
الحل يحتاج إلى معجزة.. سلبيات تؤدي إلى ارتفاع أسعار البناء وزيادة
أعباء المواطن
في توفير منزل.. واستثناءات كثيرة لاستلام الأسمنت وتجاوزات.. ولعل ما
نشرته
الزميلة الثورة منذ أشهر عن فضيحة مركز القصيلة خير دليل.
أسئلة بحاجة إلى إجابة
ومراقبة وتدخُّل الجهات صاحبة العلاقة.. ولنا متابعة.
النور- 349 (9/7/2008)