]   التجربة المغربية درس في الإنصاف والمصالحة [     

 

                                                                                 فيصل علوش (*)

المستقبل - الثلاثاء 25 أيلول 2007 - العدد 2744 - رأي و فكر - صفحة 19

 

     اذا صح ما نقل عن أن السلطة المصرية شرعت بتسوية أوضاع المعتقلين الأصوليين السابقين من أعضاء "الجماعة الاسلامية"، الذين أطلقواقبل سنوات، ابان اعلان الجماعة مبادرتها لوقف العنف، ومراجعاتها الفكرية (الفقهية) التي تلت ذلك، فإنها (السلطات) بذلك تكون قد خطت خطوة صحيحة وضرورية، ليس فقط على طريق حل مشاكل هؤلاء المعتقلين، وإدماجهم في المجتمع وتأهيلهم، وهي تقدم نموذجا مشجعا، يحتذى به معتقلو "الجهاد"، الذين كان من المنتظر ان يعلن بعض قادتهم عن مراجعات فكرية مماثلة في آب الماضي، بل الأهم من ذلك كله، هو ما يمكن ان تساهم به هذه الخطوة في رأب صدوع وشروخات يمكن أن تنخر في بنية المجتمع، أو أقله إفقاء بعض الدمامل، وعدم تركها تتقيح وتتحول بؤرة التهابية في جسد المجتمع ونسيجه، وتنفيس احتقانات تراكمت في اعقاب مرحلة أليمة ومريرة من تاريخ الواقع السياسي والمجتمعي في مصر.
كما تكمن أهمية هذه الخطوة، في أنها تظهر ان الدولة، ممثلة بأجهزتها ومؤسساتها، ليست في وارد الثأر والانتقام من مواطنيها، حتى في حال كونهم أخطأوا وارتكبوا أعمالاً يعاقب عليها القانون، فما بالكم حين يتعلق الأمر بمواطنين أبرياء زج بهم في المعتقلات، من دون محاكمة أو توجيه اتهام، في ظل قانون الطوارئ والأحكام العرفية، أو تحت يافطة الحفاظ على الأمن والاستقرار؟!.
بيد انه، ولكي تأخذ هذه الخطوة قيمتها وجدواها، ينبغي لها ان تكون قابلة للتعميم، وان لا تقتصر على مجموعة سياسية دون الأخرى، الأمر الذي يفتح باب التكهنات والحديث عن صفقات سياسية ونزعات كيدية، (تصالح جماعة لنحارب بها جماعة أخرى!). وينبغي لها كذلك ان تجيء في سياق من الانفتاح على الجميع، واعطاء مزيد من الحرية لمختلف التمثيلات الاجتماعية والتعبيرات السياسية والثقافية. فمحاربة الإرهاب والتطرف والقضاء على ظاهرة العنف، تقتضي، كما بات معروفاً وشائعاً، معالجة جذور المشكلة وأبعادها الأكثر عمقاً، وليس الاقتصار على الحلول الأمنية، واستخدام القوة المجردة وحدها، وهو ما يدأب كثير من المثقفين والمحللين العرب في توجيه اللوم عليه الى الولايات المتحدة الأميركية، في محاربتها للارهاب وممارستها الذائعة الصيت، في حين ان أغلب أنظمتنا العربية نفعل مثلها، أو ما هو أسوأ بكثير.
ومع حفظ الفوارق وخصوصية كل وضع، فثمة تجربة مثيرة ومضيئة في هذا المجال، يجدر بأغلب الدول العربية الأخذ بها وتمثل دروسها، وهي التجربة المغربية، حيث بادرت السلطات، ومن قمة الهرم السياسي الى تشكيل "هيئة الانصاف والمصالحة" والتي أخذت على عاتقها البحث في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في المغرب، التي تفاقمت واستفحلت خلال فترة امتدت منذ أوائل الستينات الى منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
وكان الهدف الرئيس منها تقديم العون لضحايا تلك المرحلة، التي اطلق عليها "سنوات الدم والجمر"، ورعايتهم وتعويضهم عن تلك الفترة المريرة من حياتهم، وقد قامت الدولة المغربية مؤخراً بدفع تعويضات بقيمة 193 مليون يورو، (مبلغ زهيد اذا ما قورن خصيصاً بحجم الأموال التي نهبت في هذه الدولة العربية أو تلك" وقدر عدد المستفيدين منها بأكثر من 23600 شخص.
وعلى الرغم من الانتقادات والتحفظات العديدة التي سجلها ناشطون وحقوقيون مغاربة على عمل الهيئة، بدءاً من القول باسهامها في اعفاء المسؤولين شخصياً عن الانتهاكات من المساءلة القانونية، وانتهاء بالنظر اليها كـ"خطوة تجميلية" استفاد منها النظام في تحسين صورته، فإن ذلك لا يقلل أبداً من قيمة وأهمية ما أنجزته الهيئة، خصوصاً لجهة كونها أول تجربة من نوعها في العالم العربي، ابتغت احداث قطيعة مع ماضي الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان، (حدثت قبلها تجارب في بلدان أخرى، مثل جنوب افريقيا عقب انتهاء نظام الأبارتهيد، وفي بيرو وتشيلي بعد سقوط الأنظمة القمعية فيهما).
المهم في الأمر، هو ان النظام المغربي، بتشكيله للهيئة، اعترف بمرحلة سوداء من تاريخه، شهدت تجاوزات وخروقا هائلة، وأعرب عن سعيه الجاد لطي صفحة الماضي وتجاوزها.
ولا يمكن بأي حال الحكم على هذه التجربة، إلا بالقياس النسبي على ما يجري في بقية بلدان العالم العربي، خصوصاً تلك التي تكثر فيها الأحاديث الانشائية المسهبة عن الاصلاح والتحديث، لكن من دون الاقدام على أي خطوة ملموسة وجدية، بل ومن دون حتى الاعتراف بأن ثمة مشكلة حصلت في الماضي (قمع، اعتقال، تعذيب، قتل، مجازر..وغيرها).
وما ميز التجربة المغربية هو كونها تمت من داخل النظام نفسه، ومع ذلك فإنه لم يتداع بسببها، بل بقيت هياكله وأركانه الأساسية قائمة، ولا يجوز بالتالي التهويل والتخويف من الاقدام على خطوات اصلاح جدية وحقيقية هنا أو هناك، ويمكن الاستفادة من هذه التجربة والبناء عليها وتعميمها في العالم العربي، ذلك انها يمكن ان تدرأ نزوع وتوجه بعض فئات وجماعات من شعوبه، للتعاون مع الخارج والاستقواء بالأجنبي للخلاص من استبداد انظمتها وتحجرها، هذه الأنظمة التي توحي بغياب أية امكانية، على نحو شبه نهائي، لتحقيق الانصاف والعدالة من قبل الجهات المسؤولة والمعنية فيها!.
(*) كاتب من سوريا

 

 

الصفحة الرئيسية