رغدة العزيزي -
ابيض واسود
لكل
شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء
دون أي تدخل) هذا ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما أكده
الدستور السوري، بحيث يضمن حرية الرأي والتعبير لكافة شرائح المجتمع،
إلا أن الرقابة السورية ضربت بهذه الحريات عرض الحائط يسكنه عنكبوت
الرقابة، لتزيد من لفائف الكبت في زاوية يحصرها ثالوث محرم (الدين،
الجنس، السياسة) ويوهم المجتمع أن ما يمنع عنه لصالحه فيتحول بدوره إلى
جمهور مهووس بالمحرمات ليس إلا.
تجارب
سورية:
على
سبيل المثال وليس الحصر تجربة الكاتب (ممدوح عزام) الذي صودرت روايته بعد
حصولها على موافقة وزارة الثقافة يقول: (وافقت وزارة الثقافة على طبع
روايتي» قصر المطر» ولم تثر وقتها أي ضجة، إلى أن جاء الوقت وقرأها بعض
الأشخاص قراءة محددة، اقتطعوا منها أجزاء وجملاً اعتبروها مسيئة لهم، ولو
أنهم تناولوها كسياق عام في الرواية لما اعتبرت مسيئة لأي إنسان، عندها
اشتعلت ثورة الغضب لدى رجال الدين في المنطقة وتمت مصادرة الكتاب، وفعلاً
تمت المصادرة، ولم أستطع الاحتجاج كوني تنازلت للوزارة عن حقوقي بموجب
عقد بيننا لمدة خمس سنوات، وبعد انتهاء مدة العقد، قررت إعادة طباعتها في
دار نشر خاصة، فأرسلت الرواية إلى وزارة الإعلام للحصول على موافقة
طباعتها وبعد اختفائها (6) أشهر جاءني هاتف من أحد أصدقائي يقول إن هناك
شخصاً من اتحاد الكتاب يكلفني بأن أعرض عليك حذف بعض المقاطع من روايتك
لتتم الموافقة على طبعها، حينها عرفت أنها ما زالت تحت رحمة الرقيب
وعندما رفضت العرض جاءني الرد بعدم الموافقة إلا أذا تم الالتزام
بالتعديلات المطلوبة، وبعد اطلاعي على المطلوب حذفه تبين لي أني سأضطر
لكتابتها مرة أخرى حتى لا أهدم بنيتها).
بعض
رجال الدين ما زالوا يراقبون:
يسرد
مدير (دار بترا) للطباعة والنشر (لؤي حسين) مشهداً من مسلسلات الرقابة
وعن إحدى تجاربه، يقول: (حصلنا على موافقة طباعة كتاب «فلينزع الحجاب»
للكاتبة الإيرانية «شهداروت جافان» وعندما وزع الكتاب في مؤتمر المرأة
والتقاليد الذي عقد في جامعة دمشق، أثار ضجة دينية كبيرة استخدم خلالها
بعض رجال الدين منابرهم لشتم الكتاب بطريقة غير حضارية وديمقراطية، وعلى
أثرها تم الاتفاق بيني وبين رجال الرقابة في وزارة الإعلام على أن لا
يعرض الكتاب في واجهات المكتبات بشكل علني).
يتابع
حسين حديثه: (لم تكن الجهات المسؤولة منصفة بين طرفي النزاع ولم تحاول
الحفاظ على التوازن بين الجماعات، فكان من الأفضل عدم منع الآراء بحجة
إسكات غليان البعض، فطريقة إجبار الناس أن يكون رأيهم نفس رأيها، تعدم
الحرية والإبداع الفردي).
التحايل طريق الكاتب للعبور:
ما
يثير الغرابة تجربة الدكتور (أحمد برقاوي) فيحدثنا: (بعد إرسال كتابي إلى
وزارة الإعلام بهدف طباعته أرسلته بدورها إلى القيادة القطرية لرقابته،
جاء الرد من رئيس مكتب الإعداد بعدم الموافقة على الكتاب وبشكل ودي، قال
لي لن أكتب عدم الموافقة سأكتفي بإعادته لك عندها قررت اللجوء إلى عملية
تحايل، وقمت بتغير عنوان الكتاب من «مصير الشعارات العظيمة» إلى «العرب
بين الإيدولوجيا والتاريخ» ولم أغير بمضمونه أي كلمة، قدمته مرة أخرى
لوزارة الإعلام وفعلاً حصل على الموافقة).
ربما
أسلوب التحايل كان هو الأمثل للبرقاوي لينفذ عبر الرقيب كي يتسنى للآخر
أن يقرأه، وبنفس السياق ومع تحايل جديد يقدم الكاتب (صفوان بطيخة)
مسرحيته إلى اتحاد الكتّاب بهدف طباعتها، جاء قرار اللجنة الرقابية
برفضها (لتدني مستواها الفني) وبعد أشهر لجأ الكاتب في عملية خداعية،
بوضع اسم وهمي لكاتب أجنبي، مضيفاً اسمه كمترجم للمسرحية، فحصل على
الموافقة. وما يثير الدهشة أن اللجنة الرقابية التي رفضت المسرحية، كانت
ذاتها التي وافقت عليها بعد أشهر.
رقابة
الكتاب أم إخفائه:
وللكاتب (فواز حداد) دور في مجريات أحداث المنع عندما صودرت روايته
(المترجم الخائن) في معرض الكتاب خلال دورته السابقة دون إذن الناشر أو
حتى إبلاغه، وكأن المصادرين يهدفون إلى إخفاء أمر ما، ويقول حداد:
(المشكلة تكمن في اعتبار الرقيب أن المجتمع ما زال تحت سن الرشد ولا
يستطيع اختيار الأنسب، وهذا ينعكس سلباً على المجتمع، فالرقابة تمنع
الكاتب من تسليط الضوء على المشكلة ومحاولة علاجها، بالإضافة إلى أنها
تضيع على المجتمع فرصة معرفة مشكلاته، فإن إرضاء الرقيب يؤدي إلى تزييف
الحقائق).
ومن
المفيد ذكر حادثة الكاتب (خالد خليفة) الذي صودرت روايته (مديح الكراهية)
بذات المكان والزمان فيقول خليفة: (إننا تعودنا على المنع ولم نتعود على
السماح، فدائماً الرقابة مسلطة على الكاتب وما يزيد من حدة الأمر أن
الرقيب يعتبر أن كل الكتب ممنوعة ما عدا الكتب التي تناسب المعايير
الخاصة به كون ليس هناك قانون يعتمده للرقابة، ما نشاهده اليوم ولم يكن
موجوداً في الأمس، هو الرقابة الدينية على الكتاب وهنا تكمن خطورة الأمر).
المسؤولون:
(عصام
خليل) عضو المكتب التنفيذي في اتحاد الكتاب أيد وجهات نظر الكتّاب بأنه
من الضروري إقصاء الرقابة وإعطاء الجمهور حق الحكم على الكتاب، ويقول
خليل: (أنشئ اتحاد الكتاب للدفاع عن الأديب لكن مهمة الرقابة أنيطت به
رغم أن هذه المهمة تتناقض مع قناعات معظم أعضائه بالإضافة إلى العبء
المادي الذي يقع على كاهل الاتحاد) يتابع خليل: (إن الرقابة عامل لإجهاض
الإبداع، فعندما يهم الأديب بالكتابة يشتغل عقله سلفاً بالرقيب ليتحول
هذا الأخير إلى شرطي يحول بينه وبين الإبداع. من هنا يمكننا القول إنه
عندما يكون الأديب حراً سيكون مسؤولاً وبقدر عال كونه جزءاً من مجتمع
يحرص على سلامته).
معايير ليس لها معيار:
يقول
رئيس اتحاد الكتاب الدكتور (حسين جمعة): (نحن نطبق القانون «131» لعام
«1972» الصادر عن مجلس الشعب لضمان حقوق شرائح المجتمع كافة بهدف الحفاظ
عليه، ونحن كرقابة نساعد الكاتب ونرشده حتى نتفادى اللجوء إلى المحاكم،
فنحن لدينا معايير واضحة يجب التقيد بها ومعاييرنا هي:
-
سلامة
اللغة نحواً وصرفاً وبناء جملة.
-
سلامة
الوزن إن كانت نصوص المخطوط على نظام البيت أو نظام التفعيلة.
-
خلو
المخطوط من تجاوزات الخطوط الحمر الثلاثة: الدين والجنس والسياسة.
-
توفّر
الحد الأدنى من الفنية في المخطوط).
لا
أحد ممن يعمل في الشأن الثقافي، أو في صناعة الكتاب، يستطيع أن يحدد بدقة
المعايير التي تستند إليها الجهات الرقابية في اتخاذ قراراتها، يرون أن
المعايير سالفة الذكر، لا تتحدد وفق ضوابط واضحة، وهي موجودة، فقط، في
ذهن الرقيب. يسمح بما هو مقتنع به ويرفض أي نص يخالف وجهة نظره أو يشعر
أنه قد يسبب إشكالية لمكان عمله ويحمل نفسه المسؤولية أمام مديره.
الأستاذ (نبيل عمران) مدير الرقابة في وزارة الإعلام يقول: (تقوم وزارة
الإعلام على رقابة الكتاب قبل طبعه وهي رقابة وقائية، وذلك بهدف منع كل
كلمة تسيء للبلاد أو تعزف على وتر خطأ، وطالما أنا حارس المعبد «الكتاب»
فمن واجبي إسكات جهات تسعى للفوضى).
أخيراً:
جميع
المشتغلين على صناعة الكتاب أكدوا أن لا جدوى من سياسة الرقابة، كون
الحصول على المعلومة أصبح في غاية السهولة ضمن عالم يحكمه الإنترنت
بالإضافة إلى أن أفضل طريقة لنشر الأفكار هي منعها.