جدلية
العلاقة بين الدستور والحزب
المحامي
عبدالله سليمان علي
النزاهة
نيوز
عندما تكون
مرجعية المشروعية محددة وثابتة، يغدو بالإمكان تقييم تصرفات الحكومة
والإدارة بدقة وموضوعية، من خلال قراءة تصرفاتها على ضوء ثوابت المرجعية
المتفق
عليها. لذلك يغدو من المهم تحديد المرجعية التي تعتبر أساس المشروعية في
الدولة.
لأنه
بناء عليها تصبح لدينا القدرة على تقييم تصرفات الحكومة وسلوكها وتحديد
مدى
مشروعية هذا السلوك أو عدم مشروعيته.
وقد يتساءل
البعض: وهل لدينا مشكلة في تحديد المرجعية، كي نطرح هذا الموضوع
الآن؟
قد لا تكون
لدينا مشكلة ظاهرة في تحديد المرجعية، فهناك إجماع على أن الدستور
بمبادئه وأحكامه ونصوصه هو مرجعية المشروعية في الدولة. لكن عند التعمق
في التفكير
بالموضوع سنرى أن مرجعية الدستور ليست واضحة المضمون تماماً، وتشوبها بعض
الشوائب
من
حيث تحديد نطاقها والتعريف الدقيق بمصطلحاتها.
وهذا يطرح
برأينا موضوع جدلية العلاقة بين الدستور وبين حزب البعث العربي
الاشتراكي، لأن تحديد هذه العلاقة من شأنه جلاء الكثير من الشوائب التي
قد تكون
عالقة في أذهان البعض حول مرجعية الدستور ونطاقها وحدودها.
تاريخياً،
فإن الدستور الحالي الموضوع عام 1973 يعبر عن نتاج مرحلة سياسية مرت
بها
سورية وانتهت باتفاق بين عدة أحزاب على التحالف فيما بينها للشروع في
مرحلة
سياسية جديدة تقوم على اسس متفق عليها اي ما يوازي عقداً اجتماعياً
جديداً، ومن أهم
هذه
الأسس أن يكون تحالف الأحزاب تحت قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي.
والدستور
هو
التعبير القانوني عن هذا الاتفاق السياسي بين الأحزاب والتي شكلت فيما
بينها ما
يعرف
باسم الجبهة الوطنية التقدمية.
إذاً صياغة
الدستور، بغض النظر عن الهيئة التأسيسية ودورها في إعداده، هي ترجمة
للاتفاق السياسي بين أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها حزب
البعث العربي
الاشتراكي. ولا شك أن الحزب بحكم قيادته للائتلاف كان له الدور الفاعل في
صياغة
مواد
الدستور وأحكامه. وهذا الدور الفاعل للحزب القائد في الصياغة يطرح مسألة
تفسير
مواد
الدستور على بساط البحث وسوف نعود إلى هذه النقطة لاحقاً. هذا من جهة.
ومن جهة
أخرى، فقد كرس الدستور حزب البعث العربي الاشتراكي حزباً قائداً في
الدولة والمجتمع، حيث نص في المادة الثامنة منه على أن: ((حزب البعث
العربي
الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية
تعمل على
توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية)). وكما
قلنا فإن هذا
النص
يأتي تأكيداً للاتفاق السياسي بين أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. لكن
الدستور
لم
يحدد مفهوم الحزب القائد ولم يتطرق إلى صلاحياته في القيادة أو طرق هذه
القيادة
واساليبها أو حدودها وضوابطها، كما أنه لم يبين الآليات التي يستطيع
الحزب اللجوء
إليها لممارسة القيادة، والأهم أنه لم يضع مؤيداً دستورياً لهذه القيادة.
وإنما
اكتفي بالنص على أنه الحزب القائد. وهذا ما أثار وما زال يثير حتى لدي
قيادة الحزب
إشكاليات عديدة حول تحديد الطريقة الملائمة لتعاطي الحزب مع أجهزة الدولة
ومدى
التدخل الذي عليه أن يمارسه في عمل هذه الأجهزة وحدود التدخل وضوابطه وما
إلى ذلك.
لكن
هذه الإشكاليات تتعلق كما نلاحظ بالعلاقة بين الحزب والسلطة، وليس بين
الحزب
والدستور لذلك سنرجأ الحديث عنها إلى مكانها المناسب في هذه الدراسة، على
أن نتوقف
هنا
فقط عند التأثيرات الجانبية التي يمكن أن تتركها هذه الإشكاليات على
علاقة
الحزب بالدستور.
ننتهي هنا
إلى تحديد عناصر العلاقة بين الحزب والدستور. فالحزب هو أحد واضعي
الدستور بالإضافة إلى الأحزاب الأخرى في الجبهة الوطنية التقدمية. لكن
الحزب بعد
إقرار الدستور أصبح كغيره من الأحزاب والمؤسسات والأجهزة خاضعاً للدستور
وملتزماً
بأحكامه. لأن الدستور باعتباره يمثل العقد الاجتماعي الجديد في سورية، هو
الذي جعل
من
حزب البعث العربي الاشتراكي حزباً قائداً في الدولة والمجتمع. وسلطة
الحزب في
قيادة الدولة والمجتمع مستمدة من الدستور، والدستور هو الذي أضفى
المشروعية على هذه
القيادة. وعليه فالدستور مقدم على الحزب، كما أن الحزب كأي مؤسسة أخرى
ملتزم بأحكام
الدستور.
لكن الحزب
باعتباره أحد واضعي الدستور والفاعل الأساسي في وضعه، اصبح له موقعاً
خاصاً في هذا الدستور. ويتبدى هذا الموقع الخاص من خلال ما يفرضه تفسير
الدستور من
احترام إرادة واضعيه ومراعاتها. أي احترام إرادة الحزب التي لعبت دوراً
اساسياً في
صياغة نصوص الدستور وأحكامه.
فالحزب وإن كان خاضعاً لأحكام الدستور، إلا أنه في
الواقع ما زال يملك القدرة على تطويع نصوص الدستور ومفاهيمه ومصطلحاته
وإخضاعها
لإرادته وما يطرأ على هذه الإرادة من تغييرات مع مرور الزمن.
والاشتراكية
خير مثال على ما نقوله. إذ لم تعد الاشتراكية المذكورة في الدستور،
تعني
اليوم ذات المفهوم الذي كانت تعنيه عند وضع الدستور في سبعينيات القرن
الماضي.
وتعديل مفهوم الاشتراكية لم يتم بموجب تعديل دستوري، وإنما بتوصية صادرة
عن المؤتمر
القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي. وهكذا أصبح تفسير الدستور
يوجب فهم
الاشتراكية على ضوء توصية المؤتمر القطري العاشر الذي يمثل إرادة الحزب،
واعتبار
اقتصاد السوق الاجتماعي
هو
محتوى مصطلح الاشتراكية الوارد في الدستور، والتخلي عن
محتوى المصطلح القديم الذي لازمه ما يزيد على عقدين من الزمن.
وهذا المثال
يبين لنا مدى القدرة التي يمتلكها الحزب في تطويع نصوص الدستور
وإخضاع مفاهيمه لمحض إرادته. وذلك رغم ما ذكرناه سابقاً من أن الدستور
مقدم على
الحزب. ومن هنا يتبدى التعقيد في جدلية العلاقة بين الاثنين. وأحياناً
تغيب الصورة
ولا
يكون واضحاً من في الحقيقة يخضع لمن.
هذا
بالإضافة إلى أن الحزب تطبيقاً لنص المادة 8 من الدستور يتولى قيادة
الدولة، بمعنى أنه يقود سلطات الدولة وكافة مؤسساتها. أي أن سلطة الدولة
خاضعة
لإرادة الحزب مع الأخذ بعين الاعتبار أن إرادة الحزب تتشكل بعد التشاور
والاتفاق مع
أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. وبالتالي فإن الحزب بحكم حيازته للسلطة
(مجلس الشعب
والحكومة)، أصبح يملك إمكانية واسعة جداً في تطبيق أحكام الدستور وفق
رؤيته، كما
يستطيع فرض وجهة نظره في تفسير أحكام الدستور والعمل على أساس هذا
التفسير. غير أنه
ينبغي ألا يفهم من ذلك أن سلطة الحزب مطلقة في التفسير، إذ يجب أن لا
يؤدي هذا
التفسير إلى تعديل في أحكام الدستور أو تغييرها وذلك التزاماً بقواعد
التفسير
المتعارف عليها.
فالحزب من
خلال تواجده في مجلس الشعب أو الحكومة مثلاً، يقوم بتطبيق الدستور
حسب
رؤيته وتفسيره بغض النظر عن كيفية تشكل هذه الرؤية، لكنه لا يستطيع بحجة
تفسير
الدستور أن يعدل في أحكامه أو يغير منها. وهذا التقييد يؤكد ما قلناه
سابقاً من أن
الحزب ومهما بلغت قدرته في تطويع النصوص والمفاهيم إلا أنه يبقى خاضعاً
لحكم
الدستور، ويبقى الدستور هو المقدم عليه.
وتأكيداً
لذلك، فإن المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، كان
مدركاً لهذه الحقيقة عندما اتخذ توصياته ومقرراته وصاغها في بيانه
الختامي. إذ أدرك
أن
تطبيق هذه التوصيات والمقررات سوف يتعارض في بعض النواحي مع نصوص الدستور
لذلك
أكد
على "مراجعة أحكام الدستور بما يتناسب مع توصيات ومقررات المؤتمر". وهذا
إن دل
على
شيء فإنما يدل على احترام الحزب بسلطته العليا لأحكام الدستور وحرصه على
ألا
يتعارض أي قرار من قرارته مع نص الدستور وروحه.
كما أوصى
المؤتمر بإلغاء المرسومين التشريعيين رقم 6 لعام 1965 المتعلق بمناهضة
اهداف الثورة ورقم 4 لعام 1965 المتعلق بعرقلة تنفيذ التشريعات
الاشتراكية. وذلك
انسجاماً من المؤتمر مع التعديل الذي أدخله على مفهوم الاشتراكية التي
تعتبر ثالث
هدف
من أهداف الثورة المتمثلة بالوحدة والحرية والاشتراكية.
وفي رأيي
الشخصي، فإني أرى أن توصيات المؤتمر القطري العاشر، تمثل رؤية متكاملة
للإصلاح (في مرحلة معينة) وقد تمت صياغة هذه الرؤية بدقة متناهية، وأهم
ما جاء فيها
مما
له علاقة ببحثنا أنها أكدت على مرجعية الدستور وأنه لا يجوز القيام بأي
إجراءات
أو
خطوات إصلاحية إلا انطلاقاً من شرعية الدستور، لذلك فإنها طلبت وأكدت على
ضرورة
مراجعة أحكام الدستور وتعديل ما يجب تعديله بما يتناسب مع توصيات
المؤتمروبما يسمح
بتطبيق هذه التوصيات دون حدوث تعارض بينها وبين والدستور.
ولكن ماذا
لو قامت الحكومة بتنفيذ توصيات المؤتمر القطري ومقرراته دون اللجوء
إلى
تعديل الدستور؟ ومن الذي يحدد ضرورة تعديل الدستور لتطبيق هذا المقرر أو
ذاك؟
وما
هي القوة الإلزامية التي تحظى بها مقررات المؤتمر القطري تجاه الحكومة؟
بمعنى
هل
الحكومة ملزمة بتنفيذ كافة مقررات المؤتمر القطري أم أنها تتمتع بسلطة
تقديرية
في
هذا الموضوع؟ ومن هي الجهة المخولة بمتابعة تنفيذ مقررات المؤتمر القطري
وكيف
تقوم
بالمتابعة؟ هذا ما سنحاول تبيانه في الجزء الثاني من هذه الدراسة والتي
تأتي
تحت
عنوان الحزب والحكومة