بقلم: نزار عادلة
المتتبع لقضايا الاصلاح الإداري في سوريا يلاحظ أن الجهات الوصائية لم
تقم بشئ في هذا المجال... ففي مجال تحديث نظم الأعمال في الدوائر و
المؤسسات العامة فأن الذي حدث خلال السنوات الماضية انما هو تحديث للبنية
التشريعية في بعض المواقع .... و لكن لم تكن كافية لكي تنجز انتقالاً
مؤسسياً من بنى ادارية متخلفة الى بنى مؤسسية معاصرة ذات رؤى مستقبلية
واضحة يعمل أفرادها بروح الفريق خدمة لأهداف المؤسسة و المجتمع , و كذلك
تتكون هذه البنى من أطر تنظيمية تبتعد عن المركزية و تؤّمن المرونة و
التي هي الشرط اللازم للابداع و التميز الوظيفي .
منذ سنوات و لا حديث للجهات الحكومية الا حول القطاع العام الصناعي ...
اصلاح اداري ... اصلاح اقتصادي .. مكافحة الفساد .. دراسة كل شركة و كل
قطاع و تحديد المشكلات الذاتية و الموضوعية و يتم التركيز بشكل دائم على
العمالة الفائضة في القطاع الصناعي و يبلغ عددها حسب راي الحكومة 15 ألف
عامل و تتوجه أصابع الاتهام الى القطاع العام .... تتوجه أصابع الاتهام
الى العمالة الفائضة بانخفاض الربحية و انخفاض الانتاجية و خسارات شركات
عديدة , و يتم وضع حلول بتوزيع هذه العمالة على دوائر و مؤسسات عديدة .
طبعاً يتم تجاهل الفساد الاداري الذي يعشعش في كافة مفاصل الادارات و
الشركات , و يتم تجاهل الصعوبات و العقبات الفنية و المالية و التسويقية
و الانتاجية .
و لم يخطر ببال أي مسؤول كان أن يسأل عن عدد العمال و الاداريين و
الموظفين المنتدبين من شركات ومؤسسات و دوائر الدولة الى أحزاب الجبهة و
الى المنظمات الشعبية بشكل عام بدءاً من العمال الى الفلاحين و المرأة و
الطلائع و شبيبة الثورة و غيرها , و نعرف الأسباب دون أن نسأل :
لأن الطاقم الحكومي و الجهات الوصائية هم جميعاً منتدبون من عملهم
الأساسي الى مواقعهم لذلك يتم الصمت حول ذلك !!!
لم تسأل أية جهة عن مدراء يتم عزلهم لسبب أو لأخر و يتم وضعهم تحت تصرف
السيد الوزير و دون مبالغة هؤلاء بالمئات و تحديداً في وزارة الصناعة , و
هؤلاء بلا عمل لأنهم لا يستطيعون العمل الا مدراء بعد أن ذاقوا الطعمة .
إذاً التركيز فقط على العمالة الفائضة في القطاع الصناعي و الانشائي ...
و لكن هناك قطاعات اخرى منسية و يتم تجاهلها بالكامل و أبرز هذه القطاعات
:
الهيئة العامة للاذاعة و التلفزيون .
لا مجال هنا للحديث عن أهداف التنمية الاعلامية و مقوماتها و مرتكزاتها و
عن أهمية التزام الحقائق , و في هذا السياق لا زلت أذكر ما قاله الكاتب
الراحل "ممدوح عدوان " في لقاء مع الجهات الوصائية ضمّ عشرات الكّتاب و
الاعلاميين في منتصف الثمانينات :
" ان اعلامنا يكذب حتى في نشرة الأحوال الجوية "
طبعاً ولا زال رغم تحول العالم الى قرية صغيرة ...
طبعاً هده السياسة الاعلامية منذ أربعة عقود و هنا ليست المشكلة في ضعف
المخصصات أو عدم صدور تشريعات حديثة للهيئة تواكب التطور أو عدم تحديد
معايير واضحة و مؤشرات محدودة لنشاط هذه الهيئة :
هل لها طابع اقتصادي أم طابع خدمي و اقتصادي !!!
الأبرز في هذه الهيئة:
الخلل العام في كافة مفاصلها , و الفساد الذي يعسكر منذ سنوات طويلة و لا
يزال يتفاقم دون مساءلة و دون محاسبة .
في الهيئة العامة للاذاعة و التلفزيون يجري العمل على تطفيش الكوادر
الفنية و المهنية بشكل عام من كتّاب و مخرجين و معدّين و من هنا نعلم
لماذا انتعشت الدراما السورية في الشركات الخاصة و التلفزيون السوري يجتر
نفسه و لا يقدّم إلا الأعمال التافهة و نسأل:
لماذا لم تعلن الهيئة عن مسابقة منذ السبعينات و حتى الآن؟
و لن نصاب بالعجب اذا علمنا بأن الهيئة تضم أكثر من " ثلاثة ألاف موظف "
جاء أكثر هؤلاء بواسطات و محسوبيات و محاصصة و يقبضون على الفاتورة ....
و هناك مدراء أقسام على الفاتورة و هم راضون بحكم ربّهم و المثير أنه لا
يمضي ستة أشهر حتى يعزل مدير و يعين أخر و خصوصاً في الاذاعة و الهدف ليس
التطوير و انما المحاصصة.
و الذين يقبضون على الفاتورة راضون كما قلنا لأن رئيس القسم يترأس 10 -15
موظف و مستخدم راتبه الشهري 14 ألف ل.س و السقف 60 ألف ل.س و لكن يصل
راتبه الى 200 ألف ل.س شهرياً لأنه يكتب لمن لا يعرف أن يكتب و هنا تبدأ
محاصصة , لذلك فان أغلب ما يقدّم من خارج المبنى يرفض تحت حجج عديدة ومن
يقبل له برنامج أو عمل لن يرجع مرة أخرى , لأنه لن يقبض مستحقاته الا بعد
معاناة و أشهر عديدة و في نفس الوقت فان الساعة التلفزيونية تكلف 800 ألف
ل.س و يدفع للمؤلف 25 ألف ل.س و للمخرج 40 ألف ل.س و الممثل الرئيسي 350
ألف ل.س و الباقي نفقات .
من يرضى أن يعمل أو أن يكتب أو أن يقدّم الشئ الجديد .
في سوريا ثلاث اذاعات و لا يوجد أي مخرج اذاعي مؤهل في حين تتسابق
الاذاعات و التلفزيونات العربية على كوادر سورية اذاعية و تلفزيونية
لتعمل بها و للعلم " في اذاعة و تلفزيون الجزيرة 300 شخص يعملون في حين
تضم هيئة الاذاعة و التلفزيون أكثر من 3000 شخص ".
لم يسأل أحد هنا عن العمالة الفائضة, و عن الاصلاح و التطوير و التحديث
.... عن الفساد و المحاصصة و عن تطفيش الكوادر من كتّاب و مخرجين الى
فنّيين ,
عن التعيين على الفاتورة بصفة مخرج أو كاتب أو معدّ , و هم بالعشرات و
أميين فعلاً و لكن تتم المساءلة فعلاً عن 15 ألف عامل في مواقع صناعية
أعمارهم بين 50 – 55 عاماً أفنوا شبابهم في الانتاج و أكثرهم مرضى و
لكنهم يعيقون برامج الحكومة الاقتصادية
...
عن نشرة (كلنا شركاء) 12/8/2008