أرقام التصحر إلى ارتفاع وتنذر بالخطر....تجار البناء أكلوا الأخضر قبل اليابس

 

 

نقلت صحيفة عربية قبل أيام خبراً يقول: أنَّ نحو (18) بالمئة من الأراضي في سورية تتعرض لأنواع مختلفة من التدهور الذي يؤدي إلى التصحر, وهذه النسبة لا تعتبر قليلة ولا يستهان بها, ومع ذلك قد تكون أقل بكثير من حقيقة المساحات المتصحرة, ونستغرب من أين جاءت هذه الصحيفة العربية بهذا الرقم, انطلاقاً من حضور أرقام أخرى نشرت في منابر إعلامية رسمية, وتقول هذه الأرقام: كانت نسبة الأراضي المتصحرة تمثل نحو (25) بالمئة من إجمالي مساحة سورية البالغة (185 ألف كيلو متر مربع), وذلك لغاية عام 1987, وازدادت النسبة لتصل إلى حدود (59) بالمئة لغاية 2003, وهذه الأرقام الأخيرة التي نقوم بالإتيان على ذكرها, تفوق في حقيقة الأمر الرقم الذي جاءت على ذكره الصحيفة العربية بأكثر من ثلاث أضعاف, وقد يكون كلامنا ليس صحيحاً فقط في حال كانت الصحيفة تقصد أنَّ هناك ما نسبته (18) بالمئة من الأراضي مهددة بالتصحر بالإضافة إلى المساحات المتصحرة في زمن سابق.


وبغض النظر عن دقة الرقم المذكور أو عدم دقته, فإنَّ الأسئلة مشروعة، ولكن ماذا فعلت المرجعيات الرسمية لوقف زحف التصحر الذي تصل نسبته الفعلية إلى أكثر من (35) بالمئة من إجمالي المساحات في القطر؟!.


وماذا عن حملات التشجير وإطلاق شعار "إزرع ولا تقطع".. وأين هو حصاد الاحتفاظ السنوي بعيد الشجرة على مدار أكثر من نصف قرن.. وماذا عن آثار التصحر على التنمية بمفهومها الشامل؟!.


المعلومات التي بين أيدينا وتعود إلى دراسة أعدتها "الهيئة العامة للبحوث العلمية في وزارة الزراعة" تقول: بأنَّه تمَّ في مجال تأهيل الغطاء النباتي, إنشاء (10) مشاتل رعوية بطاقة إنتاجية (15) مليون شجيرة رعوية سنوياً, وأنشئت المحميات الرعوية الحكومية وبلغ عددها (68) محمية على مساحة إجمالية قدرها (970) ألف هكتار تبلغ المساحة المزروعة منها (218) ألف هكتار بمعدل وسطي قدره (500) غرسة رعوية في الهكتار الواحد.


هذه المعلومات والتي يفترض أنها رسمية, تمثل في جوهرها الإجابة الفعلية على بعض الأسئلة التي أطلقناها, أي فيما لو كانت وزارة الزراعة ستخرج عن صمتها, وسوف تتحدث عن إجراءات وتدابير من شأنها مواجهة زحف التصحر, ليس بوسعها سوى تسويق وترويج المعلومات المذكورة, وهي لا تنسى في هذا السياق القول: بأنَّ التصحر في سورية يظهر في الأراضي الأكثر حساسية للانجراف, بخاصة تلك التي اعتمدت زراعتها على الأمطار وتعرضت للرعي الجائر وعوامل التصحر الأخرى مثل تراجع كميات الهطل المطري.


من يتوقف عند هذه المعلومات والتي هي دقيقة وصحيحة مئة بالمئة, سوف يخرج بانطباع أنَّ الإجراءات والتدابير المتخذة لمواجهة التصحر ستبقى غير كافية على الإطلاق, فالمعلومات التي نشرت غير مرة في المنابر الإعلامية الرسمية, أشارت وفي أكثر من مناسبة, إلى أنَّ نسبة كبيرة من الغراس التي تزرع في هذه المنطقة أو تلك, كانت تؤول إلى اليباس والذبول بعد أيام أو أسابيع من زراعتها, وذلك لمجموعة أسباب أبرزها: عدم تأمين حاجة الغراس من مياه الري, ولهذا السبب بالذات, فإنَّ نسبة كبيرة من الغراس التي تزرع سنوياً خلال الاحتفاء بعيد الشجرة, لا يتبقى منها أكثر من (15) بالمئة بعد زراعتها, وذلك في أحسن الأحوال. وما يدفع إلى مثل هذا الاعتقاد أو الاستنتاج, أنَّ بعض الأرقام سبق لها التأكيد, بأنَّ نسبة المساحات الخضراء من أصل إجمالي المساحات المزروعة في القطر لا تصل إلى أكثر من (2.5) بالمئة, وهذه النسبة مازالت على حالها منذ نحو ربع قرن, أي لو كانت هناك جدوى فعلية من حملات التشجير وإحداث المحميات الطبيعية, فإنَّ على الرقم المذكور أن يشهد ارتفاعاً ولو بنسب طفيفة جداً.


ومن يتوقف عند المبررات المكرورة التي تقول, بأنَّ تراجع نسب الهطل المطري أدى إلى ارتفاع وتائر التصحر, سوف يخرج بانطباع, أنَّ هناك من يحاول وعن قصد تزييف الحقيقة والقفز عن حقائق قائمة في الواقع ولا تحتاج إلى براهين. وما نقصده في هذا الكلام, أنَّ هناك من يحاول الهروب والتخلص من معالجة استحقاقات لا تحتمل الترقب أو الانتظار, فانحباس المطر قد يؤدي إلى بعض التصحر, وإنما ليس بالنسب الكبيرة التي باتت تصل إلى نحو (35) بالمئة من إجمالي المساحات, فالحقيقة التي لا يمكن حجبها أو القفز عنها, أنَّ الأسباب الفعلية قائمة في التعديات المباشرة على الطبيعة, ففي مدينة دمشق على سبيل المثال, أفضت السياسات الإسكانية الخاطئة والتي لم تقم على أساس الدراسات الإسكانية والمخططات التنظيمية, إلى فقدان وخسارة رئة دمشق الممثلة بالغوطة التي تحولت إلى كتل إسمنتية عملاقة تحتضن مئات الألوف من البشر, بينما كانت هذه الغوطة ولغاية أواسط سبعينات القرن الماضي, بمثابة سلة غذاء من الخضار والفاكهة لمدينة دمشق وريفها, كما أنَّ مسؤولية التصحر مرتبطة وإلى حد كبير في غياب المخططات التنظيمية التي شجعت على مدار عقود في الاستيلاء على أراضٍ زراعية وتحويلها إلى سكنية, ومن يراقب اليوم واقع التوسع العمراني حول بعض المدن مثل دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس, سوف يلحظ أنَّ النسبة الأكبر منها, هي بالأساس متوضعة في أراضي زراعية, منها ما يعود إلى جمعيات سكنية خاصة وعامة, ومنها ما يعود لزحف السكن العشوائي الذي تشكل نسبته مايزيد على (65) بالمئة في بعض المدن الكبرى مثل دمشق... ويتعيَّن أيضاً, ألاّ يغيب على الأذهان, أنَّ موجة الحرائق التي كانت ومازالت تطول بعض الغابات والأراضي الزراعية, غالباً ما كانت تقيد ضد مجهول, مع أنَّ الذين يفتعلونها في أغلب الأحيان, هم من تجار البناء والمتعهدين الذين يحولونها فيما بعد إلى محاضر سكنية بعد إخراجها من صفتها الزراعية.


وبغض النظر عن الكثير من الأسباب التي أدت وتؤدي إلى التصحر, فإنَّ الأمر الذي يتعيَّن أخذه في الحسبان, يتمثل في ضرورة وقف التعديات على الأراضي الزراعية, والخطوة الأولى السليمة التي تقود إلى ترجمة هذا الجانب, يفترض أن تبدأ من صوغ ورسم المخططات التنظيمية وترجمة هذه المخططات إلى واقع ومنع أي مخالفات سكنية قد يتم ضبطها, ذلك أنَّ ارتفاع نسب الأراضي المتصحرة, أسهم وحسب بعض التقديرات, في التأثير على المستوى المعيشي لنحو (4.5) ملايين نسمة, كانوا يعتمدون في مصدر رزقهم على الزراعة.


والجانب الذي يغيب عن أذهان الكثيرين, أنَّ التصحر يسهم وإلى حد كبير في تراجع كميات الهطل المطري, الأمر الذي يستوجب تكريس الوعي الذي يؤدي إلى ترشيد استخدامات المياه في الزراعة, انطلاقاً من أساليب الري الحديث, التي تساعد على توفير مخازين المياه في باطن الأرض, فضلاً عن زيادة الغلات الزراعية بنسبة قد تزيد عن الضعفين لبعض المحاصيل.


وفي هذا السياق من المفيد التذكير, بأنَّ نسبة الأراضي الزراعية التي تروى بالتقانات الحديثة في سورية, لا تصل نسبتها إلى أكثر من (9) بالمئة من إجمالي الأراضي الزراعية, وهي نسبة أقل بكثير من الطموح بعد انقضاء أكثر من ربع قرن في الترويج إلى هذا النمط الجديد من الري, وأيضاً هي نسبة متواضعة جداً قياساً بالإمكانات العلمية والمادية والفنية المتاحة. وإذا كانت هناك مسؤولية في هذا الجانب, فهي تعود إلى أكثر من جهة معنية, يبقى أبرزها وزارة الزراعة.


في كل الأحوال... إذا كانت المرجعيات الرسمية تعمل على مكافحة التصحر من خلال مشاريع كبرى, مثل المشاتل الرعوية والمحميات الحكومية والمراعي الشعبية, ومشاريع تثبيت الكثبان الرملية ونشر الوعي البيئي, فإنَّ كل ذلك مازال ليس كافياً, ولا بدَّ من صوغ الخطط والبرامج التي تضمن الإبقاء على ما تبقى من مساحات خضراء, والأهم: أنَّ الرصد المنتظم لظواهر تدهور التربة وانجرافها, يمثل نقطة مهمة في الوقوف عند أبعاد الأخطار التي يمكن أن تلحق ببعض المناطق الأقل هطلاً للأمطار, والعمل على استصلاح الأراضي, بهدف التعويض عن المساحات الزراعية التي شهدت تعديات متلاحقة على مدار عقود..., ومثل هذا الاستصلاح بات ممكناً بعد أن بدأت تتكشف مشاريع جر المياه من المناطق الغنية بالمياه, إلى جانب توافر إمكانات الري الحديث والذي بمقدروه أيضاًَ الإسهام في استثمار المياه بشكل أمثل.

بقلم مروان دراج

المصدر:سيرياستيبس

المرصد السوري

 

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية