النائب والناخب والوطن
د.محمد حبش: ( كلنا شركاء ) 26/3/2007
تعاني المؤسسة البرلمانية في سوريا ما تعانيه المؤسسات البرلمانية في سائر
الدول العربية، وباستثناء بعض البلاد العربية كلبنان والكويت والمغرب فإن
الدور البرلماني لا يزال ضعيفاً في البلدان العربية وهو لا يرقى إلى الشرط
البرلماني المأمول.
وليست سوريا استثناء في هذه القاعدة، ولكن بالإمكان القول بأن مهام مجلس
الشعب المنوطة به دستورياً تنحصر في ثلاثة أمور: التشريع والمراقبة والمحاسبة
، ويمكن القول بأن التشريع مضى على الوجه المأمول وقد تمكنا من تحقيق نجاحات
واضحة في هذا السبيل، وإلى حد ما فقد كانت التشريعات تستوفي شرطها الديمقراطي
، ومع أن مطالب حزب البعث الحاكم كانت تتحقق باستمرار ولكن يجب القول أن ذلك
كان يتم بالآلة الديمقراطية المعروفة ووفق قاعدة تصويت الأغلبية، والأغلبية
هنا هي بالطبع أغلبية بعثية وجبهوية، ولكن كنا نشعر بأنه لم تكن هناك توجيهات
محددة لإقرار مواد أو رفضها، وكان مألوفاً أن نجد النواب البعثيين ينقسمون
إلى أكثر من رأي في المسألة ولكنها في النهاية كانت تتم وفق رغبة الأكثرية،
ونعتقد أن المرات التي تدخلت فيها قيادة الحزب بإصدار توجيه محدد لنواب الحزب
كانت قليلة ومحدودة، ولكن ذلك لا يعني أن رغبات القيادة لم تكن تتحقق، بل
إنها كانت تتحقق تأسيساً على معرفة النواب بمنهج القيادة وليس على أساس
التوجيه المباشر في كل مسألة من المسائل المطروحة، وهكذا فبإمكاني القول إن
الممارسة البرلمانية في موضوع التشريع كانت تتم على وجه مرض ومناسب.
أما دور المجلس في الرقابة فقد كان من وجهة نظري جيداً،
ولكن لم يكن تعاطي الإعلام متناسباً مع الدور الذي يقوم به النواب،
وظلت مواقف النواب الجريئة والقوية حبيسة جدران المجلس، مع أنهم قاموا بأدوار
واضحة في فضح مكامن الفساد في البلد، وتم بناء على ذلك فتح ملفات تحقيق في
عدد من دوائر الدولة، وعلى الرغم من أهمية ما قام به المجلس فهو لم يرق إلى
دوره الحقيقي في مراقبة الفساد والفاسدين، وبالتالي لمحاسبتهم نظراً لعدم
وجود آلية مناسبة للمحاسبة في المجلس ، وهذا المطلب قديم للمجلس ويتمثل في
وجوب ضم الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش إلى مجلس الشعب، وبالتالي إمكانية
الوصول إلى المحاسبة المباشرة للمفسدين، وعلى الرغم من الدور الجيد الذي قام
به المجلس في المراقبة والمحاسبة فإن صحيفة كالثورة مثلاً تمكنت من إنجاز
حملة حقيقية في محاسبة الفساد أكثر من المجلس، نظراً لطبيعة العمل الإعلامي
وأدواته، خاصة إذا توفرت الإرادة للمحاسبة والمراقبة.
ولكن ذلك كله يتصل فيما يتم داخل المجلس، وهذا يتم بعد
المرحلة الانتخابية التي يصل بها الأعضاء إلى المجلس، أما المعاناة التي
يتكبدها المكافحون للوصول إلى قبة البرلمان فهي كثيرة ومعقدة.
من وجهة نظري فإنه لا حالة إسعافية ملحة في تغيير قانون الانتخابات، والثغرة
التي يشير لها المعارضون عادة في موضوع قانون الانتخابات هي مسألة تقسيم
الدائرة الانتخابية إلى دوائر، ليست كافية لوصول المعارضة إلى البرلمان فهي
محض نمط إجرائي له سلبياته وإيجابياته لكل من الحكومة والمعارضة، وسيجد مرشحو
الحكومة والمعارضة وضعاً أفضل أو أسوأ في كل من الحالتين، الأمر الذي ينفي أن
يكون عدم إنجاز هذا القانون عملية متعمدة من النظام لإبطاء الديمقراطية في
البلاد.
أما قوائم الجبهة فلا يمكن القول إنها مخالفة للدستور فهي تتم في كل مكان في
العالم وربما يشعر الناس هنا بالحرج كون هذه القوائم تحضر بشكل أوتوماتيكي في
الدوائر الرسمية وعبر بعض أدوات الدولة، ولكن هذا الأمر يمكن أن يتم التغلب
عليه بتذكير الناس بحقهم الديمقراطي في اختيار من يريدون وشطب من لا يريدون،
وهو أمر يتم على نطاق واسع، ويشهد له على سبيل المثال تفاوت أرقام النتائج
على مستوى الجبهة نفسها، ولا شك أن ذلك يتناسب مع ازدياد الوعي لدى
المواطنين، ومع ذلك فمن وجهة نظري لا يوجد ما يقلق حزب البعث الحاكم في هذا
السبيل نظراً لأن الأغلبية البرلمانية المريحة متوافرة لديهم، ولا يوجد أسباب
كافية للتغيير على المستوى القريب.
وعلى الصعيد الشخصي فقد قدمت في هذا الجانب رأياً جريئاً، وواجهت العاصفة،
ولكنني لم أتعرض لموقف يمس حقي الدستوري من الترشح والتنافس، وهناك زملاء
آخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك وهم ينافسون الآن بكفاءة واقتدار ونأمل لهم حظاً
طيباً، وأعتقد أن هذا كان إيجابياً في المحصلة لحراكنا السياسي في البلد، وهو
ما نأمل أن يستمر ويتواصل.
أما موقف إعلان دمشق من مقاطعة الانتخابات فهو ليس في
الواقع رأي المعارضة الداخلية مع أنه رأي فصيل مهم منها، ولكن علينا أن نتذكر
أن جانباً هاماً من المعارضين يشاركون الآن في الحملة الانتخابية ولديهم فرص
وحظوظ وصورهم تملأ الشوارع وشعاراتهم واضحة لجهة توجهاتهم وأهدافهم.
ولكن المشكلة التي يعلمها أطراف إعلان دمشق جيداً ليست تدخل السلطة في
الانتخابات بقدر ما هي تدخل المال السياسي وهذا أمر موجود في كل مكان في
العالم، وهو هنا أشد تأثيراً نظراً للحاجة إلى تعزيز الوعي الديمقراطي في
سوريا، ومع أن القانون الجديد للانتخابات قد حاول معالجة ذلك ولكن الشيطان
قفز من التفاصيل وحجز السقف المالي المقترح على الدعاية الانتخابية فقط،
الأمر الذي لا يمس الوكلاء على الصناديق وهم في الواقع أكثر من يحسم التنافس
الانتخابي، ويحدد نتائجه، وتكاليفهم أكبر من تكاليف الدعاية الانتخابية.
شخصياً وجهت في الماضي انتقادات حادة لطريقة تشكيل قوائم الجبهة، وأزعجت
العديد من أصدقائي الذين لم يشاركونني هذا الرأي أبداً، ولكنني أقول الآن بكل
شفافية إن هذه القوائم أكثر من ضرورية لمقاومة نفوذ المال السياسي، وأعتقد
جازماً أنه لولا قوائم الجبهة لم يكن لك أن ترى في المجلس ممن لا يملكون
الملايين أستاذاً جامعياً أو قاضياً محترماً أو موظفاً أو فلاحاً حقيقياً،
أقول ذلك وأنا منافس مباشر لهذه القوائم وهي التي جعلتني أنافس على أربعة
مقاعد فقط في الفئة الأولى بدلاً من كوني أنافس على ست وعشرين مقعداً في
الفئتين!
ولكن هذه العوامل كلها ليست كافية لفهم التباطؤ في الإصلاح السياسي، بل إن
السبب الجوهري في هذا التباطؤ هو في الواقع المشهد السياسي الدولي من حولك،
فسوريا تعيش حقيقة في عين العاصفة، وهي تعاني بين احتلالين، وقد تضاعف عدد
اللاجئين في سوريا خلال السنتين الأخيرتين من نصف مليون إلى أكثر من مليونين،
وهذا أمر له تداعياته الخطيرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في
سوريا، والسوريون اليوم يعلمون أننا كنا في الماضي نتحدث عن تأثيرات أمريكية
في المنطقة ولكننا نتحدث اليوم عن دبابات أمريكية في المنطقة، كنا نتحدث عن
نفوذ أمريكي والآن نتحدث عن جيوش أمريكية على حدودنا، لا يمكن في حالة كهذه
أن تتوقع تكوراً ديمقراطياً طبيعياً أو سلساً، بل إن التداعيات التي تنتج عن
الظرف الدولي الخطير قد تقود إلى كارثة حقيقية في المنطقة، خاصة مع التصريحات
الأمريكية المتكررة عن مشروع أمريكي لتمرير نواب إلى داخل البرلمان يحملون
توجهاً أمريكياً، ولا أعتقد أن دولة محترمة تعيش ما يشبه حالة حرب مع
الأمريكيين، المتحالفين استراتيجياً مع العدو الصهيوني، لا أعتقد أن دولة
محترمة في ظروف كهذه ستقبل أن تغامر بالوطن، وتتوقع أن التهديدات الأمريكية
مجرد أكاذيب وتفتح الباب بلا تحفظ أمام احتمالات غير محسوبة النتائج.
إن المشروع الأمريكي مدمر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وما العراق عنا
ببعيد، وهنا بالضبط يجب أن نكون أكثر تسامحاً في تفهم مطالب الاستقرار في
سوريا، وهو بشكل أو بآخر قد يؤدي إلى تضييق بعض الحريات إلى أجل، ويمنح
القادة العسكريين والأمنيين بعض الصلاحيات الاستثنائية.
بالطبع هذا لا يعني أبداً أنني موافق على التمديد الروتيني لإعلان حالة
الطوارئ، بل إنني أدعو إلى وضع قيود على قانون الطوارئ واقتصاره بشكل رئيس
على المناطق الحدودية المجاورة للعراق ولفلسطين، وللأسف للبنان أيضاً في هذه
المرحلة.
أعتقد أن مقاطعة الانتخابات ليست بالعمل الحكيم هنا، فالتوجه الانتخابي هو
عمل وطني، ومن الخطأ تصور أن المشاركة ستكون بلا معنى إلا إذا ضمنا النتائج
مسبقاً، وهذا أمر لا يمكن على الإطلاق التسليم به أو قبوله، وحتى مع عدم
تحقيق نجاح لوجستي فإن المعارضة تكون قد أنجزت شيئاً مفيداً واكتشفت فوتها
على الأرض، وقدرتها على تحريك ما تسميه المياه الراكدة، وبالتالي طرح
شعاراتها على الجمهور في صيغة أكثر قرباً للشارع، ولا أجد سبباً لتصور حتمية
فشل المرشح المعارض، خاصة إذا كان يتحلى بالحضور الشعبي والكاريزما المطلوبة
ومن ورائه جهاز انتخابي منظم، وخبرة مناسبة.
ويجب القول بأن أطيافاً جديدة دخلت حلبة التنافس السياسي
اليوم، وهناك مرشحون إسلاميون من مؤسسات محترمة، وهناك شخصيات ذات تاريخ في
العمل السياسي وهي تشارك بقوة ولا يمكن احتسابها تقليدياً على النظام، ونحن
نتوقع مفاجآت، وأعتقد أن هذه الصورة ستتعزز عندما نطلع على المرشحين في سائر
المحافظات السورية الذين بدأت حملاتهم الانتخابية بالظهور.
ومن جانب آخر فإنني أعتقد أن تردد المعارضة في المشاركة بالانتخابات سببه ما
يشعرون به تماماً في هذه المرحلة من تعزز التلاحم بين القيادة والناس، خاصة
بعد أن خرجت سوريا من عنق الزجاجة، وتتالت الاعترافات من هنا وهناك بأن
السياسة الأمريكية كانت في ضلال مبين، وأن سوريا كانت على حق في سياستها
الإقليمية الأمر الذي عزز من التفاف الناس حول القيادة، وهنا لا بد من
الإشادة بنجاح الرئيس بشار الأسد من تجنيب بلاده أربعة حروب أمريكية كان من
المفترض أن تشتعل سوريا بثلاثة منها على الأقل، ولكن الرجل تمكن من تجنيب
البلاد هذه الكوارث، من دون أن يستجيب للإملاء الأمريكي الكارثي في فرض سياسة
غونداليزية هوجاء مناقضة بالمطلق لمصالح السوريين.
أشعر بالأسف أن تدفع هذه التصورات إخوتنا في المعارضة إلى مقاطعة الاستحقاق
النيابي، وأتمنى أن نتأمل أكثر في جدوى المشاركة، وأن نتعاون في بناء بلدنا،
ومع أنني منافس مباشر لهم، وسيكون أريح بالنسبة لي غياب المعارضين الأقوياء،
ولكنني أشعر أن الحملة الانتخابية ستكون أجمل وأشد إقناعاً إذا كنت تواجه
فصائل سياسية معارضة، ذات حضور حقيقي، وستكون أقل فائدة ومتعة إذا كنت تواجه
منافسين لا يحملون رؤية معارضة حقيقية.
إنني بكل بساطة أعتقد بأن بوارق الحقائق تلمع من مصادمة
الأفكار.